ولا بدّ من ارسال بعثة الى اوروبا يتخصص افرادها في فروع الفيلولوجيا والدرس المقارن للغات السامية واللاتينية واساليب تطورها . وذلك لا يستغرق اكثر من بضع سنوات يعود بعدها افراد البعثة للاشتغال في هذا المشروع الحيوي فيخدمون بذلك قضية العرب اجل خدمة . ولا ادري لماذا يتلكأ اللبنانيون عن القيام بمثل هذه الخطوة وفيهم ظهر قادة التجديد الذين اجترأوا على الثورة في عهد جمود ، نظير زيدان الذي قرّب بين الفصحى والعامية وبسط الاسلوب النثري ، وجبران الذي ابتدع في النثر اسلوباً جديداً ، ثم نعيمه الذي ثار على ادب اللفظ - وسعيد عقل الذي حمل لواء التجديد في الشعر ، ونصري خطار الذي ابتكر طريقة لتبسيط الكتابة العربية وذاك الباحث (1) الذي ارسل الى المؤتمر الثقافي رسالة في تبسيط القواعد ذهبت ادراج الرياح . ولعلي اعود الى هذا الموضوع في فرصة اخرى .
٢ - لبنان والفن الشعبي
الفن في الاقطار العربية فقير في الوقت الحاضر لكنه مرّ فيما مضى بعهود ازدهار تشهد بذلك الآثار الرائعة التي تملأ متاحف الغربيين ولم تحتفظ منها متاحفنا الا بالقليل .
منذ مدة اخبرتني سيدة روسية انها ارسلت الى ابنتها التي تدرس فن الرسم والاعلان في اميركا نماذج زخرف شرقي لتستفيد منها في وضع النماذج التي تبتكرها هناك . فقلت في نفسي : ها ان الغربيين يستلهمون آثارنا في مبتكراتهم الفنية ونحن نعرض عنها . ها هي دار الصناعة اللبنانية ( الأرتيزانا ) تقلّد الرسوم والنماذج الغربية فقط وكان في وسعها ان تستثمر الآثار العديدة المتنوعة الاشكال والصور التي يزخر بها المتحف وغيره من دور الآثار . ولو فعلت لازدادت قيمة انتاجها في عيون اهل الفن وأطلعت الشرقيين على لمحات من ماضيهم وادت للصناعة خدمة تذكر .
في لبنان حركة مباركة لتشجيع الزجل او الشعر العامي وهو لون واحد من ألوان الفن الشعبي لا يعدم نغمات من الشعر الصافي . لكن هناك ألواناً اخرى جديرة بالاحياء لأن لها اهميتها في عالم الثقافة . هناك الازياء اللبنانية القديمة التي يجب درسها من وجهة تاريخية . والرقصات الشعبية وانواع الدبكة التي يجب اكتشافها في القرى الجبلية النائية لعلنا نستطيع الافادة منها في تكوين هذا الفن الشعبي المهمل عندنا .
وأهم من ذلك كله ان نسعى لاكتشاف وإحياء الالحان الشعبية القديمة التي يتمثل فيها تأثير الشعوب المختلفة التي احتككنا بها ،
وتتراوح بين ألحان القرويين الساذجة المرحة حول عيون الماء ، وانغام المدنيين الذين عاشوا في ترف العهد التركي في ظل الحدائق والقصور .
هناك ألحان متنوعة ينكر وجودها المتعصبون لموسيقى الغرب . لكنها موجودة بالفعل ، منتشرة في جميع الاوساط ، تستجيب لها نفوس الشعب ويأنس بها كل لبناني يفهم بلاده وتاريخها ، ويرى فيها كل من تثقّف ثقافة موسيقية عميقة اساساً يمكن البناء عليه ومصدراً نقتبس منه ألحاناً حديثة ذات إلهام شرقي وتوقيع غربي .
ولا نعدم الوسائل للقيام بهذا العمل الهام . فعندنا ثلاثة معاهد موسيقية تتبارى في تعليم الموسيقى الغربية ولا تفلح في نشر الثقافة الموسيقية بين طبقات الشعب لان طلابها إما أجانب او اهل الطبقة الارستوقراطية . إن تعليم موسيقى الغرب واجب له أهميته في هذه المعاهد لكن اهمالها الشائق لما عندنا من تراث - وان يكن ضئيلاً - وتلكؤها عن خلق اساس موسيقي ذي طابع محلي نستطيع استخدامه في مدارسنا وحفلاتنا وتكون هذه المعاهد بواسطته اكثر اتصالاً بالشعب - اهمال لا نجد له مبرراً او سبباً الا الجهل او الكسل او التفرنج الذي تنعدم معه الشخصية .
واذا كان للمعاهد الموسيقية الاجنبية في لبنان عذرها على هذا الاهمال فأي عذر نجده للكونسرفاتوار اللبناني وللاكاديمية اللبنانية ؟ منذ مدة زار لبنان احد مندوبي الاونيسكو وارادت حكومتنا ان تطلعه على جانب من ثقافة لبنان فقام جوق الاكاديمية امامه بتقديم معزوفة بتهوفن الشهيرة « القداس الاحتفالي » .
لا ادري ماذا كان تأثير الحفلة في نفسية المندوب الغربي وهل كان راضياً عنها ام لا . لكني لا أشك في انه كان يؤثر من كل قلبه ان يسمع شيئاً لم يسمعه من قبل وان يصغي الى موسيقى اقل عظمة وشهرة من موسيقى بتهوفن بشرط ان يكون فيها شيء من اللون المحلي وان تندمج فيها نغمة من تراث الشرق مع خفقة من نفسية شعب حديث في طور التكوّن والانعتاق .
كل ما فهمه المندوب من معزوفة بتهوفن اننا قوم بارعون في التقليد ، متهافتون عليه ، لكننا في تقليدنا للغرب نتناسى الحكمة الغربية القائلة : « إن سطراً واحداً يبتكره خيالك المبدع هو خير من الف مجلّد تنقلها عن الناس . »
