

عاش في عصر طغت عليه الزندقة وما تجره من وبالات على البشر واخلاقهم وعاداتهم ، وكان مع ذلك مؤمناً في فطرته برب كان يجهله ، محباً لاخوته افراد الانسانية ، حنوناً عليهم بل عطوفاً على كل كائن حيّ ، انسان كان أو حيوان . ان ذلك الرجل العظيم الذي هاله امر وأد البنات في العصر الجاهلي وتفطرت كبده ألماً حينما رأى الآباء يدفنون بناتهم احياء ، ايقن ان هذا العمل الوحشي ، مخالف لسنن الطبيعة ، لا يمكن ان يرضى عنه الله ولا أي انسان كامل الصفات العقلية والحسية . فحال بين الناس وبين هذا العمل بقدر امكانه واخذ يشتري البنات بالنوق والجمال وبقي على هذا الحال لا يسمع بمؤودة الا فداها حتى جاء الاسلام وقد فدى ثلاثمائة فتاة على ما قيل . ذلك الرجل الكبير هو صعصعة بن ناجية بن عقال ، جد الفرزدق لأبيه ، أول من فعل هذه المكرمة العظيمة في انقاذ البنات من الوأد ، تلك المكرمة التي لم يسبقه اليها احد من العرب والتي دفعت الفرزدق لان يقول مفتخراً :
وجدّي الذي منع الوائدين
واحيا الوئيد فلم توءد !
ولقد روي عن صعصعة انه مرّ برجل من قومه فوجده يحفر بئراً وامرأته تبكي الى جانبه فقال له :
— « ما حملك على هذا ؟ »
فأجاب الرجل :
— الفقر
فقال صعصعة :
— اني اشتريها منك بناقتين ، يتبعها اولادهما تعيشون بالبانهم ولا تئد الصبية .
فأجاب الرجل مسروراً :
— لقد فعلت !
فأعطاه صعصعة الناقتين وجملاً كان تحته .
وما زال يحيي المؤودات دون ان يشاركه في ذلك احد حتى انزل الله تحريم الوأد في القرآن .
ومن قتل بناته خشية العار قيس بن عاصم المنقري وكان من وجوه قومه ومن ذوي الاموال فيهم ، والسبب الذي دفعه الى وأد بناته هو ان النعمان بن المنذر لما منعته بنو تميم من الاتاوة التي كانت تؤديها له جهز اليهم اخاه الريان بن المنذر ومعه بكر بن وائل فغزاهم واستاق النعم وسبى الذراري فوفدت اليه بنو تميم وسألوه النساء فقال النعمان : « كل امرأة اختارت اباها ردت اليه وان اختارت صاحبها تركت له » . فكاهن اخترن آباءهن الا ابنة لقيس بن عاصم اختارت صاحبها عمرو بن المشرّج ، فنذر قيس ألا يولد له ابنة الا قتلها ، فاعتل بهذا من وأد بناته وزعم انه حميّه !
ومما يؤثر فعلاً قصة علي بن ابي طالب رضي الله عنه اذ بكى وضحك في آن واحد بعد ان قرأ الرسول صلى الله عليه آية تحريم الوأد على الصحابة . ولما سأله الرسول عن الذي ابكاه واضحكه اجاب :
— بكيت يا رسول الله اذ تذكرت بنتي التي كانت تداعبني وتتعلق بيدي خائفة حينما كنت أعد لها الحفرة التي سألقيها بها ، وكانت تلهو بذقني وتقول راجية « لا تدعني اموت هنا وحدي يا ابتاه ! انا احبك يا ابتاه . » وضحكت يا رسول الله فرحاً بهذه الآية الكريمة التي اتت لتنير بصائر الناس .
وبعد هبوط تلك الآية الكريمة
وفد صعصعة بن ناجية على النبي في وفد من بني تميم وقال له : « أوصني يا رسول الله » فأجاب النبي : « اوصيك بامك وابيك واختك واخيك وإمائك . » ثم قال :
— بلغني عنك شيء فعلته فما هو ؟
فأجاب صعصعة :
رأيت الناس يموجون على غير وجه ولم ادر أين وجه الخير غير أني علمت انهم ليسوا عليه ورأيتهم يئدون بناتهم فعلمت ان ربهم لم يأمرهم بذلك ولن يأمرهم به ، فمنعتهم عن الوئيد وفديت من قدرت عليه ، فهل لي أجر في ذلك ؟
فأجاب الرسول عليه السلام :
— هذا باب من البرّ لك اجره عند الله .
وقد فخر بذلك حفيد صعصعة الشاعر المعروف الفرزدق في عدة قصائد من شعره .
وعمّر صعصعة حتى لحق امير المؤمنين علياً بالبصرة وأدخل عليه الفرزدق واغلب الظن انه مات في امارة زياد وملك معاوية .
لقد كرم الاقوام عظماءهم ورفعوا لهم التماثيل وكتبوا سير حياتهم وخلدوا اسماءهم على صفحات التاريخ الا ان صعصعة صاحب هذه الرسالة الانسانية الذي حاول طيلة حياته القضاء على وحشية معاصريه ، ظل مجهولاً من الكثيرين والكثيرات . فحريّ بنا اليوم ونحن في بدء عهدنا بالاستقلال ان نناشد حكوماتنا لاحياء ذكره ولو بتسمية شارع أو مدرسة باسمه كي لا يبقى حقه بين العظماء العرب مهضوماً .
طرابلس ٤ تموز ١٩٤٨
