كيف سقط زوجي في المعركة
طلبت اليّ صديقتي سلوى أن أصف لقراء مجلة صوت المرأة الغراء خواطري وشعوري تجاه الحادث الذي أصاب زوجي أنور ، وأنا إذ أُلبّي هذا الطلب ، أريد ان أثبت أمرين مبدئين على سبيل الاعتذار عن هذه التلبية : أولهما أن شعور الانسان على ما يبدو لي هو شيء خاص الى حد كبير لا يحتمل « التهوية » في الاحوال الاعتيادية - أقول في الاحوال الاعتيادية اما الاحوال التي نحن بصددها الان فهي أحوال غير اعتيادية . اما الامر الثاني فهو اني لا أعتبر الحادث الذي حل بأنور فريد من نوعه او مهم بحد ذاته - ولو أن أنور بطبيعة الحال هو فريد عصره وزمانه وأهم ما في هذا الوجود - بعد الله سبحانه وتعالى .
أما الحادث نفسه فهو أنه بينما كان زوجي يقوم بواجبه كمواطن عربي في ضواحي القدس اصيب برصاصة في ساقه اليسرى قطعت الشريان وأدت الى سلسلة من العمليات المزعجة وبالنتيجة الى بتر هذه الساق .
وقد كنت في ذلك الحين في لبنان الشقيق مع اطفالي حيث أتيت بعد إلحاح شديد من قبل انتهاء الانتداب البريطاني بنحو اسبوع وذلك محافظة على حياة الاطفال وصحة أعصابهم بعد ان أصبحت القدس ساحة معركة مستمرة سببها تزاحم العرب واليهود على احتلال ما يمكن إحتلاله من الاماكن الاستراتيجية ليكونوا في وضع يمكنهم تسديد ضربتهم القاضية بعد خروج الانكليز من البلاد . وقد كان هذا هو السبب المباشر لمعركة القطمون التي دافع فيها العرب تحت قيادة البطل الفلاح ابراهيم ابو دية ( وهو الآن جريح في أحد مستشفيات القاهرة ) دفاع الأبطال الأشاوس ونجح مئتان منهم بصد ما ينوف عن الألفي يهودي خمسة أيام
متتالية الى أن قتل او جرح جميعهم ما عدا سبعة - وقد كان أنور بوصفه امين سر اللجنة القومية بالقدس على اتصال دائم وعملي بهذه العمليات واصيب إصابته الاولى في ذراعه الأيمن فيها وكانت لحسن الحظ اصابته طفيفة لم يلاحظها إلا بعد رجوعه للبيت ليلاً وبعد أن تذمر من وجع في ذراعه وأصررنا عليه باستدعاء الطبيب فحضر وأخرج الشظية الصغيرة التي كانت قد دخلت في ذراعه - وقد فهمت فيما بعد أنه نجا من الموت بأعجوبة . وهكذا حينما تركت القدس آتية الى لبنان كنت قد هيأت نفسي لاستقبال ما يمكن أن يأتيني من الصدمات بعد أن سلمت أنور وأمري لله - ولقد كان هنالك بالاضافة الى ما سبق عاملان نفسانيان ساعداني ( بعد العامل الديني بطبيعة الحال ) على اتخاذ هذا الوضع - أولهما اني لا أعتقد أن هنالك عائلة فلسطينية لم تُرزأ في خلال الجيل الماضي بفقد الوفير من المال والعزيز من الرجال في نضالنا المستميت للدفاع عن كياننا والمحافظة على عروبة بلادنا العزيزة . ولذلك أصبحت التضحية في هذا السبيل - كثرت أم قلّت - ولا أقول هذا الشيء تفاخراً وإنما تثبتاً للواقع - من الامور التي اعتاد عليها المواطن العربي في فلسطين وبدأ يتقبلها - إن لم يكن بصدر رحب تماماً - فعلى كل حال بهدوء وطمأنينة - ولم أكن انا ولا عائلتي والحمد لله ممن استثناهم الحظ من هذه القاعدة الشاملة ولذلك فقد إرتبت في جو مشبع بهذه الروح . اما العامل الثاني فهو اننا بدأنا نشعر في فلسطين - وانا أعتقد أنه اذا عمّ هذا الشعور باقي البلاد
العربية وأصبح عقيدة ثابتة لديهم كما هي لدينا لحلت قضية فلسطين حلاً نهائياً - أقول بدأنا نشعر أن هذه هي آخر فرصة امامنا لاثبات وجودنا وفرض سيادتنا والمحافظة على تراث آبائنا وأجدادنا ولذلك كنا على استعداد بان نضحي الى اقصى درجات التضحية كي نخوض هذه المعركة الفاصلة منتصرين ، وقد أخذت عن أنور وتقبلت نظريته التي كان يؤمن بها إيماناً مطلقاً وهي أن التضحية في زمن الأزمات يجب ان تتناسب مع درجة التمتع في زمن السلم وهي منبثقة عن النظرية القائلة انه يجب على من يريد أن تكون له حقوقه أن يتحمل المسؤوليات الناتجة عن هذه الحقوق - ولذلك كان رأيه أنه لا يجوز لطبقة المتعلمين والاغنياء أن يتركوا فلاحنا يقوم بعبء المعركة لوحده يجب عليهم أن يتقدموه - يتقدموه - ويوجهوه في كل ميدان - في كل ميدان - وليس فقط في ميدان التصريحات السياسية . أما القول بانهم لم يتدربوا على نوع من انواع العمل ولكنهم يتقنوا غيره فهو صحيح والجواب عليه هو ان يبدأوا التدرب بسرعة خصوصاً حينما نجد ان ما يتقنه معظمهم هو التوجيه السياسي لا غير وخصوصاً حينما نذكر ان فلاحنا المسكين لم يتدرب على شيء بالمرّة - حتى ولا على التوجه السياسي نفسه - وحينما نذكر نهائياً ان الصهيونية الخبيثة كانت ولا تزال تحاول ان تدخل اسفينة الفساد ما بين الفلاح وطبقة المتعلمين والاغنياء ( لقد غيروا « نغمتهم » الآن وبدأوا يفسدون بين الفلسطينيين واخوانهم العرب في باقي البلاد العربية بزعمهم ان الفلسطينيين ليسوا اعداءً للصهيونية وإنما مطامع الدول العربية الاستعمارية هي التي تحملها على مقاومتها وغزوا فلسطين لذلك وبنتيجة
