نحن الآن في عشية عيد العذراء ، عنيت عيد انتقال سيدتنا مريم إلى السماء ، وناقوس جيراني الرهبان آخذ في القرع والترنم ، يدعو إلى « زياح » المساء . بيد أن ترنيمته إفرنجية ومتحضرة أرستوقراطية ، لا تلبث أن تدرك نهايتها بعد دقيقة أو دقيقتين .
فأين منها شدو الأجراس اللبنانية ، ذلك الشدو الشرقي البلدي الديمقراطي ينطلق من كل صوب في الأعالي والأداني ، ويجتاح كل حيّز من أقطاب الأفق . مازجاً أصداء القمم بأصداء الوديان حتى ليملأ الهواء عزيفاً وحنيناً ساعات طويلات وينسج من شتيت أنغامه سيمفونيا لبنانية و « لاسيمفونيات بتهوفن » .
وهل في وسعي وأنا في مصر ، أن لا أنجرد الساعة - مرغمة - من الشعور بوجودي هنا لأحس أني في « فريكتكم » الخالدة مقيمة ، أجلس على سطيحة عمو أبي سلمون ، ظهري إلى صنين والجرد جهتي أشهد عنده وداع الشمس لهذه الناحية من الأرض ، على وقع رنين الأجراس .
إني الآن فعلاً هناك ، أعيش تلك الثواني على مهل وفي كل ثانية من المتعة الفنية وحرية الحركة ، ما يملأ عاماً بطوله ، في تقديري أنا التي تجرعت مرارة السجن وعرفت شقاء الضغط والأسر
صحيح أني قضيت ثلاثة أعوام في لبناني الحبيب المحبوب وأني عانيت منه ما عانيت وممن عانيت وكيف عانيته ، وأن أنقذني بعدئذ المنقذون ؟ وأني حللت في رأس بيروت شهوراً واصطفت في « الفريكة » شهوراً متقلبة في شتيت الغمرات ، حتى لكأني بها في بحر متلاطم . الآن ولما أخلص بعد من تلك الأعاجيب الرهيبة ، الآن أشك في بعض أوقاتي أن ذلك حدث يقيناً . أيحدث لي كل ذلك ما شهد أصحابي وما لم يشهدوا ، فلا أموت ولا يبيض مني إلا الشعر ، أيحدث كل ذلك وأعرف من طبيعة الشر في الإنسان أكثر جوانبها إدهاماً وفظاعة ومراوغة فأبقى على ما أنا واثقة بطبيعة الخير في الإنسان ، مطمئنة إلى عدل الحياة شغوفاً بكل صنوف الحياة ، نازعة إلى كل مثل سام وكأن عمري ونشاطي يتجددان كل صباح مع شروق الشمس ؟
أرأيت حياتك إنساناً غيري في مثل هذه الغباوة ؟ ومع ذلك فهناك أمور تغيرت عندي أو أني أنا تغيرت في أمور ، لست أطيق الآن أن يؤلمني أو يزعجني أحد ، ولست أنيل الناس ثقتي شأني من قبل . وهذا دليل على أن في داخل نفسي شيئاً من الشيب كذلك ... ما علينا .
أهنئك بدون كيخوتك الكبير ، وأشكر لك ما أتحفتني به من صورته المصغرة وشعاره الثلاثي الركين ، أما قولك أن السياسة في تلك البلاد عاطفية دون كيخوتية فظريف جداً . وذو مغزى بنوع بعيد . إلا أنه يعيد إليّ ذكرى حديثنا . ذكرى حادثة جرت لجدتنا المصرية القديمة الملكة ( حتشبسوت ) .
تعلم أن علماء الآثار الذين يباشرون الحفريات في هذه الديار كانوا قد عثروا فيما عثروا عليه ، على رأس جميل جداً لهذه الملكة التي كانت جميلة جداً ، وبين عشية وضحاها اختفى الرأس الجميل ، ولم يكن بين علماء الأثريات في مصر من يعلم كيف اختفى وأين طار ؟ ومر زمن يسير وإذا برأس الملكة في متحف برلين ! فانبرت الصحافة المصرية تصيح بملء صوتها ، مطالبة سفيرنا في برلين بإحضار رأس الملكة بصورة رسمية . فاستمهلتنا الحكومة الألمانية أياماً ريثما يتمكن المستشار هتلر من زيارة المتحف وتقديم فروض الإجلال لرأس الملكة المصرية قبل مغادرتها أرض الرايخ ، وتحدد موعد تلك الزيارة في خلال أسبوع ، وتمت تلك الزيارة في موعدها ، إلا أن الرأس ظل في مكانه . علام ؟ لأن المستشار العظيم رجل فن وذوق وعاطفة ، ما كادت عينه تقع على الملكة الجميلة حتى هام في حبها . فمن ذا الذي تحجر قلبه إلى درجة التفريق بين هذين الحبيبين ؟
وعلى ذلك ما زالت حيث كانت ، ومحبها لا يفرط بها .
استسلم لسرور الكتابة إليك ناسية أنك ضيق الوقت كثير الأشغال ، فأقف هنا على أن أستأنف الحديث في فرصة أخرى . سلامي للست سعدى ولأخينا البيرتو أو البيرتوس كما تشاء وللصادريين جميعاً ولأصدقائي جميعاً ولأبي سلمون والست نوافل والأسطى سلمون وأهل الفريكة رجالاً ونساء وشيوخاً وشباباً وأطفالاً .. يا لطيف . شكري الحار لأخينا السنيور البيرتوس لتفضله بصورة الفريكة . إنه كثير الأفضال وهذا بعض أفضاله وشكر من درجة الحرارة نفسها أو يزيد من الارتفاع إلى صديقنا البارع بينو حويك ، هل غير اسمه ؟ المجد لريشته التي جعلت مشاهد الفريكة ماثلة في مكتبي هذا وآمل أن أكتب قريباً لشيخ البلد البيرتوس .
وددت أن أصف لك مبلغ ما أشعر به من الشكر لما شهدته من همتك وأريحيتك في إنقاذي وفي مؤاساتي وفي تشجيعي إبان تلك المحنة كلها ولكن شكري لكم جميعاً هو الجو الذي يحيط بي وهي الروح التي تملي على كل كلمة أخطها وهو التسبيح الذي تسبح فيه أيامي وليالي أنه رحيم شامل كنجدتكم لي . دم كما أنت يا أخا الهمم واسلم على ما أقتناه لك ولجميع الذين تحبهم من خير وهنا .
