لتؤنسك وتسليك، ربما اذهب لاعد المائدة».
ولم يكن على ما هو فيه من فاقة شديدة قد ادرك قبل اليوم مبلغ سرفه وطيشه في تبذير امواله وتبديد ثروته في الايام الخالية ألا ما اشد ندامته الآن ووجيعة نفسه، حين تبين له انه عاجز عن اكرام تلك الغادة التي طالما أولم الولائم من اجلها وبذر المال تبذيراً!
وكان الوقت متأخراً، والرغبة في تكريمها بالغة، ولكنه لم يشأ ان يسأل الناس شيئاً، ولم يرض ان يطلب من البستاني معونة ينقذ بها الموقف.
وحانت منه نظرة الى الصقر، وقد استقر على قضيب من حديد في حجرته، فأمسك به، وتحسسه فوجده سميناً طرياً، فقال لا يصلح لمثل مقام هذه الغادة الا هذا، ولم يتردد، وعمد اليه فذبحه، وعهد الى خادم صغيرة عنده بنتف ريشه واعداده على السفود لحماً مشوياً، ومضى هو الى المائدة فبسطها، ثم عاد الى الحسناء في البستان متهللاً، لينبئها ان الطعام الذي تيسر له، على ضعف الحيلة، قد تهيأ.
فنهضت الحسناء وصاحبتها الى المائدة، فجلستا الى الطعام، واكلتا الصقر المشوي، وهما لا تدريان.
ولبثت بعد الطعام تتجاذب معه اطراف الاحاديث، حتى ظنت انه قد حان لها ان تفاتحه فيما جاءت من اجله، فأنشأت تقول: «استمع لي يا فديريجو ملياً، اني لا اشك في انك حين تذكر الماضي، وتذكر حبك اياي، وتذكر على الاخص عفتي وما قاسيت انت منها، ثم تسمع الذي اقوله، ستعد ما جئت في طلبه اليوم صفاقة ليس من بعدها صفاقة. ولكني على يقين من انه لو كان لك ولد تعرف به معنى الحب الابوي ومبلغه، لوجدت لي بعض العذر فيما اقول واطلب... انا كما تعلم أم.. ولي ولد اوحد، والامومة غالبة على امري، فلا تعجب ان اتيت اليك لاستميحك، على كره مني، هدية اعرف انها عزيزة عليك. ولك الحق كل الحق ان تعتز بها، بعد ان ذهب مالك، فلم يبق لك سلوة في الحياة سواها، وهذه الهدية التي استهديك اياها، هي... الصقر التي تقتنيه، فقد فتن ولدي به فتوناً شديداً، حتى بت اخشى ان تشتد به العلة التي يشكو اليوم منها، اني استحلفك، لا باسم الحب الذي تكنه لي، لانه لا يلزمك الوفاء بشيء، ولكن باسم الشهامة التي سموت بها فوق الرجال جميعاً، ان تهب لي هذا الصقر، حتى انقذ به ولدي من الموت، واظل به مدينة لك»
فما كاد فديريجو يسمع سؤالها، ويدرك انه لم يعد في امكانه الاستجابة لها، لانه قدم اليها الطائر طعاماً، حتى راح يبكي..
فظنت مونا، باديء الرأي انه حزن فبكى لفراق صقره، فهمت بان تتنازل عن طلبها، ولكنها امسكت، وانتظرت ماذا هو قائل... وبعد ان كفكف دمعه، وتمالك نفسه قليلاً، قال:
«أي سيدتي، لقد آمنت اليوم بان الحظ، منذ اراد الله ان احبك، يعاكسني، وان القدر يسخر مني. كانت احزاني فيما مضى من الدهر بالغة، ولكن ما اهون تلك الاحزان كلها اذا قيست اليوم بهذا الحزن الذي جاءني الآن، وسوف يعاودني الى الابد، كلما تصورت انك جئت داري الحقيرة، لتسأليني هدية صغيرة اعجزني القدر عن اهدائها، واليك سر عجزي:
«لما تفضلت يا سيدتي فأبديت رغبتك في تناول الغداء، تصورت عظمتك وجلالك، فاستوجب هذا عندي ان طعاماً يقدم لك لا بد ان يكون جليلاً عظيماً، فلم اجد طعاماً أعظم وأجل من الصقر الذي تستهديني اياه، فذبحته وشويته، وقدمته لك فوق المائدة على أحسن ما استطعت، وما كنت ادري انك تطلبين الصقر على غير هذا الاسلوب الذي كان، فما احراني بالغم وما أولاني بالاسف والحزن»
وراح يريها الريش والارجل والمنقار، التي بقيت من الصقر دليلاً.
رأت الحسناء وسمعت ذلك كله، فأخذت أول الامر تلومه على انه ذبح هذا الصقر الثمين، ليجعل منه طعاماً لامرأة، ثم رجعت الى نفسها فأكبرت فيه شهامته النادرة. وانصرفت يائسة حزينة، ورجعت الى غلامها الصغير.
وعاجل الموت الغلام بعد أيام، اما لخيبة رجائه في الصقر، واما لتفاقم العلة الملحة عليه، فلبثت فترة من الدهر تبكي مر البكاء، وتنوح اشد النواح.
ولكنها كانت في ربعات العمر، ومقتبل الثراء، فجعل اخوتها يلحون عليها في الزواج، وهي المثابة المتمنعة، حتى اذا اكثروا الالحاح، تذكرت شهامة فديريجو ومروءته، وجوده بالصقر وهو اعز ما عنده، فأنشأت تقول لاخوتها: «اذا كنتم تريدون حقاً ان اتخذ لي بعلاً، فلن ارضى بغير فديريجو ليزوجاً إنه والله نعم القرين».
فاستضحكوا منها ساخرين!
قالوا: «يا عجباً لك ولحماقتك! أتتزوجين رجلاً لا يملك شروى نقير؟»
قالت: «لقد قلتم صدقاً، فهو لا يملك شروى نقير، ولكني ان اتزوج رجلاً يحتاج الى المال، على ان اتزوج مالاً يحتاج الى رجل!»
ورأى اخوتها صدق عزيمتها، وكانوا يعلمون فضل فديريجو، فاستجابوا لها، وزوجوها منه، على ما هو فيه من فاقة.
ووجد فديريجو انه قد ظفر بالمرأة التي اولاها ابلغ الحب، وفاز الى جانبها بالثراء العريض الذي آل اليها، وعاش الزوجان بقية ايامهما في سعادة وحسن حال.
