
بيت الله ... في المشرق اراه يا أم امين وفي المغرب ، في كاتدرائيات رومه رأيته يا امي ، ومن على سطوح مكة ... في وادينا هذه ، وفي كل واد ... في صحراء العرب كنت امشي ، وكان الله يمشي يجاني حافياً وفي ضجيج نيويورك ، كان الله كذلك معي ...
الله كبير يا ام امين وعظيم ، واذا كان الناس لا يجدونه الا في بيت صغير ، فليكن ذلك وليؤمنوا ايمانهم ..»
النجمة التي على صنين غابت ، واختها التي على البحر ايضاً ..
... هبت الدخول الى قاعة الملوك ، حيث يجتمع ملوك العرب مع الريحاني .
.. ولولا ان شدد قلبي كثيراً البرت الريحاني ، وهو صاحب الدار وشيخها ، ونديم الملوك والصعاليك في بيت الريحاني ، لما خشت قدماي تلك الغرفة الرهبية ...
دخلت القاعة برهبة استولت حتى على خطواني ، فكادنا ان تتعثرا بالسجاجيد ، وسلمت سلام اهل الفريكة وعيناي عالقتان بالارض ، وجلست متأدياً في زاوية اصغر ..
كان الامام يحيى ، سيد اليمن الخضراء ، يجلس جلسة الملوك العظام ، وهالني منظره ...
وعبد العزيز يتكيء في جلسة مستريحة وفي وجهه صلابة وقوة وفي عينيه ، براءة الصحراء ... وفيصل الكبير يجلس متأملاً وفي وجهه صفاء القداسة ، وعيناه شاردتان ، وغازي على جبينه غيوم لا يعرف احد ماذا نحمل من العواصف !
وكان الريحاني في الجهة المقابلة ، في عينيه العميقتين ، تتهدل خصلة من شعره على جبينه وتلامس اهدابه ..
... وكان الريحاني يقرأ كتاب فيصل الاخير اليه .
« ... كنت اسأل عن اخبارك واعرب عن شوقي اليك ورغبتي في رؤيتك .
ان بشراك بقدومك الينا كان لها رنة فرح وسرور ... فاهلاً ومرحباً .. »
- لماذا لم تأت الينا يا امين وقد اعددنا العدد للقائك في بغداد ...
- بلى يا مولاي فيصل ، في النية دائماً ، وان كنت اطلب من الله ان يمد في عمري ، فلكي اعيش في ظلال محبتكم ، ومحبة ملوك العرب اجمعين .
مآذن بغداد العالية ما تبرح من ذهني .
ولا مضارب الصحراء .
وفي شهوة للسير حافياً على الرمال ،
ولعبة ماء من روافد الفرات أو دجلة ...
قلبي عند العرب ، عندكم يا مولاي ، ولكن عقلي ليس هنا ، عقلي هناك .. في خاطري ان ازور بلاد العالم ، أحاول فيها محاولتي ، اجاهد من اجل القضية الكبرى التي وقفت من اجلها قلمي وقلبي . القضية تشغل بالي كثيراً .. ان العالم ضدنا.. اميركا حتى اميركا ، هذا البلد الطيب تقف متحدة مع انكلترا ضد القضية الفلسطينية وضد العرب . ماذا نفعل كلنا هنا ..
اسمحوا لي ان اقول ماذا فعلتم انتم ... انتم ملوك عظام ، فهل يجوز ان تكونوا ملوكا عظاماً لشعوب حقيرة هزيلة ... استغفر الله ، شعوبنا تحتاج الى قيادة ، موحدة ، الى رأس مدبر ولو قادها في سبيل هدف معين لأتت بالعجب العجاب ...
ماذا فعلنا لهذه الشعوب .. ملكنا عليها هزيلة وابقيناها في هزالها . نريد قائداً ، من أني جاء ، وكيف كان .
ونلتفت ، فلا نجد الا ركايا في التكايا !!
انت عظيم ، يا سيدي فيصل
وانت عظيم ، يا طويل العمر
كلكم عظماء .. ولكن الامة اعظم منكم
القضية اعظم منكم .. الشعوب التي تحكمونها اعظم منكم والتاريخ العظيم سيقول قوله فيكم وفينا جميعاً .
ويمسك الريحاني عن مكتبه كتاباً صغيراً بعنوان : « ازهار من الارض المقدسة » ويحمله بين يديه ويكمل قائلاً : ازهار من الارض المقدسة ... انظروا ايها الاسياد ، وهل بعد في تلك الارض زهرة تطلع في وجه الشمس ؟
وماذا بقي من القداسة في الارض المقدسة ؟ .. ارجاس على ارجاس . ادناس على ادناس - عصابات اثيمة تخرب بيوتنا ... ونحاربهم بشعوذة الكلام ...
... الشمس على البحر ، يموت ضياؤها على مهل ، والعشية تزحف ببطء في الوادي ، وعلى الهضاب ... ملوك وشعراء من كل طرف من اطراف الارض ، يجتمعون في عشية من عشايا شهر الصيام المبارك في بيت رجل صام لسانه عن غير الحق وصام قلبه عن غير الطهر . ويشير الريحاني الى المقلب الآخر ، الى كسروان حيث القباب العالية في اجراس الكنائس وقال : هنا مريض المارونية العنيدة في لبنان ، هنا المسيحية في بلاد العرب ، تنشر ظلالها على كل سفح وفي كل قنة ، في هذه الصلبان المرفوعة على المداميك العالية ، في عبق البخور المتصاعد من اعماق البيوت في هذه العشايا اللبنانية الصافية ، هنا المارونية في لبنان ، هنا المسيحية الخائفة المخيفة .
- لماذا ومن أي شيء تخاف هذه المسيحية يا امين ؟
( البقية على الصفحة ٢٧ )