انت ، يا دميتي الحسناء ، لا تستحقين محبتي .
اهدهدك فلا تتحركين ، واخاطبك فلا اسمع جواباً .
تفتحين عينيك ، وانت غارقة في نومك العميق ، وترفعين يديك الى السماء ، فلا تبدو على جبينك اماضة ابتهال .
اجلسي هنا ، انك خرساء ، طرشاء ، جافة ...
أتعتبين ، بعد كل هذا ، اذا مللتك وسئمتك بنفسي ؟ ..
أحس ان هذه الدقائق التي تمر قربك تموت وتندثر ، لا تطبع في ذاكرتي صورة ، ولا تترك في حياتي اثراً .
ان في نفسي لفراغاً يتسع كل يوم ، اراك في احدى زواياه ، ظلاً شاحباً ضئيلاً ، يكاد يتلاشى ويتركني حائرة ، اريد ان اعلم ، ولا ادري كيف اسأل ...
وما الذي اود ان اعلمه ؟ ... لا ادري ! ...
بياضك بليد ، وحمرة خديك باردة ، واتساع عينيك بكم ، ويداك ، ها هما ترتفعان وتنخفضان معاً ، اناملها لا تلامس ولا تبعث شعوراً .
اني افضل عليك شيئاً آخر ، لا اعرفه ، ولكني ابحث عنه ، ليكن جميلاً احبه ، أو بشعاً ابغضه ، اما ان يكون مسكيناً اشفق عليه ، فهذا ما اصرف عنه وجهي وقلبي ...
ان هذه العيون تغوص في اعماقي ، ترفع النقاب عن خفايا نفسي ...
احسها باحثة ، متحرية ، لجوجة ، وان كنت لا اراها .
ليس في صدري سر احجبه ، أو طلسم اخفيه ، ولكني احب الانفراد ، احب الوحدة والتأمل الطويل ،
واحياناً ، احب ان ابكي دون سبب .
كنت اركض ، واقع على الارض ، ثم انهض ضاحكة ولا ابالي ، فبتّ اخشى ان يرى الناس اصابعي ملطخة بالحبر ، أو ثيابي ملوثة بالتراب .
واذا كنت نظيفة مرتبة ، اخشى ان تقع علي العيون .
ارتبك اذا نظر الي احد ، وتتعثر قدماي ، فأكاد اسقط .
ليتني في زاوية قصية ، مطلّة على العالم ، ارى الجميع ولا يراني احد ، اسمع كل شيء ولا يشعر احد بوجودي .
كنت اضحك من غضب أمي وصياحها ، وها انا تذيبني نظرة قاسية ، وتبكيني ملاحظة بريئة .
... وما معنى هذه البسمة الساخرة على شفتي أمي ؟ ..
ألا يجوز لي ان اتفحص وجهي على المرآة ؟ ..
ايقظتني أمي اليوم باكراً ، فشرعت اساعدها في ترتيب البيت .
باشرت بالعمل ، وانا ساهمة ، شاردة الفكر ، فسقطت من يدي كأس ، سمعت أمي توبخني :
- انتبهي ، يا سعاد ، اتركي طيش الاولاد ، فانت اليوم عروس .
انا عروس ؟ ...
بدأت افهم ...
بدأت ادرك معنى هذه النظرات العميقة ، الملحة ، يلاحقني بها الفتيان ، وانا في طريقي الى المدرسة ...
انها لذيذة مزعجة ، مفرحة مخيفة ، حلوة مرة ...
ان فيها ما يبعث الرعدة في اوصالي ، وما يسبغ الهناء على قلبي ...
وما هذا الليل الطويل ، الضيق النفس ؟ ..
اني ارقد فيه ولا استريح ، فظلامه ثقيل ، وسكونه رهيب ..
تقول امي ان مروان ابن جارتنا شاب طائش ، مع اني لا ارى على طيشه دليلاً ..
ألا ترى امي اشراق جبينه ، وذلك الظل الناعم الذي يلقيه جفنه على عينه السائلة ؟ ...

