ماتيو فالكوني رجل عند الحسين ، متكتل العضل ، مفتول الذراعين عريض ما بين المنكبين ، خفيف الحركة كالسنور ، له عينان كبيرتان تنبعث منهما اشعة قوية نفاذة ، وشفتان رقيقتان ، وشعر اسود جعد . ذهب سمعه في ارجاء وطنه — جزيرة كورسيكا — بما له من قدرة عجيبة على اصابة الهدف فهو اني رمى اصاب ، سواء بالليل أم بالنهار . وهو لطيف المعشر ، رضي الخلق ، فاذا جرح أو امتهن فهو عدو لدود فيه العتو والجبروت ، ينزل عن انسانيته حتى يبلغ من خصمه مأرباً ..
رحل ماتيو فالكوني عن مسقط رأسه الذي نشأ فيه وترعرع ، الى ثغر بورتوفكيو في جنوب الجزيرة ليعيش هناك عيشة الهدوء والطمأنينة في منزل ريفي وضيع تحيط به غابة متشابكة الاشجار ، ملتفة الاغصان ، في منأى عن صخب الحياة ولجها . وقضى دهراً من عمره يتعهد بنفسه قطعة من الارض وبعض قطعان من الغنم ، فينال من كل ذلك مالا يرفعه الى صف اعيان الريف واغنيائه ، ثم هو سخي سمح طلق اليدين والوجه ، سريع الى الخير ، بطيء عن الشر .
تزوج ماتيو من جيوزبيا صغيراً فرزق منها ثلاث بنات تزوجن جميعاً ، واستطاع هو ان يجد المعونة في ازواج بناته ، غير ان قلبه ما يزال حزيناً يأسف
على ان لم يجبه الله بذكر يحمل عنه بعض ما يثقله من اعباء الحياة ومتاعبها . ثم ... ثم جاءه البشير ... لقد ابتسمت له الايام عن طفل هو امل الاسرة الحلو ، وواحدها ووارث اسمها ومالها .. هو فورتناتو ، ودرج الطفل قرة عين ابيه وامه معاً ، يسهران عليه ، ويحبوانه بعطف منهما ورعاية ، ثم راحا ينشئانه ليكون صنو ابيه ، فشب وفي عينيه دلائل الشجاعة والفراهة ، وفي جسمه سمات القوة والفتوة ...
وفي صحوة يوم من ايام الخريف — والطفل في العاشرة — انطلق الاب وزوجته يستطلعان خبر غنمها ، واراد الابن ان يصحبهما فابى الاب الا ان يظل عند الدار يحرسها .
وتصرمت الساعات والطفل وحده ينطرح حيناً في دعة امام الباب ، تحت اشعة الشمس الهادئة ، وحيناً يستمتع بالنظر الى اشجار الغابة الباسقة ، والى الجبال الشاهقة على مرمى البصر ويتلذذ حيناً بالاخيلة الجميلة تضطرب في رأسه حين يخيل اليه انه سيزور المدينة يوم الاحد فيرى عمه القائد ، ويجول في ارجائها فيشاهد اشياء حرم منها حيناً من الدهر ، وسيطرت عليه الفكرة فابتسم ، غير ان صوتاً سلبه من لذة الخيال وافزعه عن مكانه فهب يرى ... وأحس كأن قلبه ينخلع من الذعر والخوف ، لأن ما سمع
هو صوت طلقات نارية سريعة ومتوالية تقترب منه رويداً رويداً . واجال بصره فيما حواليه فما بدا له غير شبح يدلف اليه من الغابة يتكفأ في طريقه ، ويتحامل في مشيته ، من اثر الابن والتعب ، والدم يتقاطر من فخذه
لا جرم ، فهذا مجرم انسل ، والليل ساج ، الى المدينة ، فاحتط عليه الجند ، فاسلس وانقاد بعد لأي ثم وجد مهرباً فأفلت يريد الحرية ويحطم قيود السجن وهي تنتظره على خطوات ، وهم على اثره لا يصيبهم الجهد ، ولا ينال منهم النصب يطاردونه بوابل من بنادقهم ، وهو يدفعهم عن نفسه بالرصاص والهرب في وقت معاً كان ضخم الجثة ، حيواني المظهر ، زري الهيئة ، رث الملابس ، كث اللحية مرسلها ، اشعث اغبر يبعث في النفس الفزع والرعب ، غير ان الاعباء تركته محطماً ضعيفاً .
ثم انتهى الى الصبي ، ووقف بازائه يطلب اليه ان يجد له منفذاً «اني جانيتو سانبيروا ، ان الشرطة على اثري ، وانا لا استطيع الهرب ، أفلا اجد في دارك ملجأ ؟» واشاح الطفل عنه — باديء ذي بدء — وابى عليه ما طلب ، فراح الرجل يهدد ويتوعد ، غير ان الطفل كان يرى ما يقاسي من ألم وما اصابه من كلال فقفز بعيداً وهو يقول : «لا بندقيتك تستطيع ان تصل الي لانك تفتقر الى الذخيرة ، ولا حربتك تنال


