مني مأرباً لأنني في حصن منها حصين ! » وأحس الرجل بعاقبة امره فاندفع يستعطف الصبي في ذلة ، ويترضاه في لين ويلوح له بقطعة فضية من النقود يداعبها باصابعه ، فاستيقظت الشفقة والرحمة في قلب الصبي ، ورأى في قطعة النقود أجر ما يقدم من خير فتعلق بها بصره ... ثم انفرجت شفتاه عن ابتسامة رقيقة وهو يدس القطعة في جيبه ، ويهيئ التبن على المجرم الجريح ، ثم انطلق يعفي آثار الدم في دقة ومهارة ، ثم استلقى امام الباب كأن شيئاً لم يكن ..
وجاء الشرطة - بعد حين - وعلى رأسهم ضابط ... انه تيودورو جامبا ابن عم فورتناتو ، وهو فتى يفور قوة ونشاطاً ، يتقصص المجرمين والجناة لا تأخذه بهم رأفة ولا شفقة ، ويتقفى آثارهم في غير هوادة ولا لين ..
وابتسم الضابط وهو يسير الى ابن عمه فورتناتو يسأله خبر المجرم الفار : « أوما رأيت رجلاً يمر بك الساعة ؟ » قال الصبي : « آه نعم ، رجل يمر بي الساعة ! » قال الضابط : « نعم رجل ذو لحية طويلة ينزف الدم من فخذه » قال فورتناتو وهو يعبث بابن عمه : « نعم تذكرت ، انه القس ، لقد كان يمتطي صهوة جواده الجميل يبرو ... » وثار غضب الضابط ان رأى الصبي يهزأ به ، فقال : « لقد رأيته ، فأين هو ؟ قل ايها الخبيث والا ... » وراح الصبي يسخر من الضابط : « افتراني استطيع ان اراه وانا نائم في هدوء ؟ » فقال الضابط المغيظ في شدة : « قل ايها اللعين ، انه مر بك الساعة ! » واجاب الصبي وهو يبتسم في تهكم : « انا فورتناتو ، وهذه دار ابي ماتيو فالكوني » ، « أفتريد ان تستجم ؟ » ونفذ صبر الضابط ، فاندفع في حنق يأمر الشرطة : « الى الدار ايها الرفاق ،
فلا بد ان يكون هذا الشيطان قد خبأ المجرم ! » . وانطلق الشرطة يصدعون بما امروا ، وامسك الضابط باذن الصبي يمنعه وهو يتململ ويصيح : « ان ابي ماتيو فالكوني لا يرضيه ان يدخل جماعة من الاغراب داره وهو غائب ! » وراح الضابط يهدد الصبي : « أولى لك فأولى ! أفلا تعلم اني قادر على ان احملك الى كورت أو الى باستيا فألقي بك في غيابة السجن ترسف في اغلال من حديد ، ثم اضع رقبتك بين حدي المقصلة جزاء ما فعلت ؟ » واغرق الصبي في الضحك لما سمع ...
وارتد الشرطة بعد ان وجدوا الخيبة والفشل وجاء واحد منهم الى الضابط يقول : « لم نجد احداً فلنلتمس طريقاً غير هذا ! »
وبدت الدهشة على وجه الضابط جامبا حين خيل اليه انه مني بالاخفاق ، واضطرب حين لم يجد الطريق الى فريسته ان الدار امامه ، وهو يستطيع ان يرى كل ما فيها في نظرة خاطفة ، فما هي غير حجرة واحدة عارية عن الاثاث ، لقد سيطر عليه الارتباك ، والصبي الى جانبه يداعب قطته ويبسم لما هم فيه من حيرة .
يا ضيعة المجهود ، ويا خيبة الامل ! لقد هموا يريدون الرجوع بعد ما بذلوا من جهد ، وما لاقوا من عناء ، غير ان عيني الضابط لمعتا حين بدت له بارقة من امل . لقد تهدد الصبي فما اجدى التهديد ، وتوعده فما اغنى الوعيد ، فليطرق باباً غير هذا عله ... فالتفت الى الصبي : « فورتناتو لقد ظننت بك سوءاً ، ولكنني وجدتك شجاعاً ذكياً ، ليتك تصحبني ! » قال فورتناتو وهو ما يزال يعبث بابن عمه : « جامبا ، أسرع الى عملك والا اختفى جانيتو فلا تعثر عليه ابداً ؟ » واخرج الضابط ساعته الفضية وهو يقول : « أفلا تريد ان يكون لك مثل هذه الساعة ،
فتمشي الخيلاء بين رفاقك في شوارع المدينة ، وقد علقت في صدرك كأنها وسام ، والناس من حولك ينظرون ويعجبون ، ثم يتدافعون نحوك يسألونك « كم الساعة ؟ » وانت تبسم ... وبدا للضابط ان عيني الطفل قد انبعث منها شعاع من امل ، وشعاع من طمع ، وهو يحدج الساعة بنظراته ، ويقول : « لا ، لا اريد ، انه حين تكبر سني سيعطيني عمي القائد ساعة اجمل من هذه » قال الضابط : « حقاً ، غير ان لابنه ساعة كهذه ، وهو اصغر منك سناً » وخيل الى الصبي ان الضابط يسخر منه ليستدرجه فقال : « افتهزأ بي ؟ » قال الضابط وهو يقدم الساعة اليه ، وقد عاد اليه الامل مرة اخرى : « ها هي ذي فخذها ، ثم اخبرني اين هو المجرم جانيتو ؟ » وتقدم الصبي في هدوء نحو الساعة رويداً رويداً وهو يراها وهاجة براقة تحت اشعة الشمس ، تخطف البصر ، ثم امسك بها يقلبها بين يديه ، وقد استبشر وانبسطت اساريره ، وتحدثه نفسه : « الق بقطعة النقود الى صاحبها ، وخذ هذه فهي أغلى واثمن ! » واضطرعت في نفس الصبي عوامل الوفاء والجشع ، أفيخون عهده وينقض مواثقه ؟ ولكن الساعة ... الساعة ! أفيفقدها بعد ان احتوتها يداه ؟
وغلبه الحرص والطمع وحب المال جمعاً وهو قبالة ابن عمه الضابط ، ومن خلفه كومة التبن ، فرفع يده في هدوء يشير الى الوراء ... الى كومة التبن ...
وتدافع الشرطة يبعثرون كومة التبن هنا وهناك ، فانفرجت عن جريح لا يستطيع ان يحمل نفسه ، وفي لمحة البصر نزع الشرطة عن جانيتو بندقيته وحربته ، وشدوا وثاقه ، غير انه استطاع ان يدير بصره نحو الصبي ، ومن حجاجيه شرر يتطاير ، ثم بصق وهو يقول : « ايها
