« نعمت » بنت حادة الذكاء ، مجتهدة في الدرس وجريئة ، لا شيء يصعب عليها ، سوى انها تخاف من العتمة !
ففي العتمة يعتريها خوف لا تعرف مصدره ، يقوى شيئاً فشيئاً ويتغلب عليها .
ان الليلة هي اول مرة تبقى فيها « نعمت » وحدها . لقد تأخر اهلها عن موعد رجوعهم الى البيت
« لا ، لن يتأخروا كثيراً بعد الآن » ، ثم ترجع الى الدرس .
فجأة تلتفت نحو الخزانة : ما هذا الصوت ؟ لقد سمعت حرتقة آتية من جهة الخزانة ، كأن شيئاً تحرك في جوفها ، ثم سكن . لكنها تهدىء روعها : فالأرجح ان ذلك طقطقة في الخشب ، شيء بسيط ، وترجع الى كتابها . ولكن ما هذا هناك في الزجاج ؟ لقد رآه وهي ترجع النظر الى كتابها ، شيئاً اسود يتحرك ! يا للهول ! الف فكرة مرعبة تمر بمخيلتها في لحظة واحدة وهي مطرقة تنظر الى الكتاب ولا ترى شيئاً . تود لو تنظر ملياً في الزجاج ، لكن قلبها يخفق بقوة . أيكون هذا شيطاناً كالذي وصفه اخوها عادل البارحة وهو يعمل الاعيبه بورق اللعب ، ويقول انه هو الذي يغير الورقة ؟ أيكون من عالم الجن ؟ ولماذا تحرك هكذا في الزجاج ؟
ثم التفتت بتمهل نحو الزجاج وتفرست فيه ، فوجدت وهي متعجبة ، ان هذه صورتها هي نفسها وقد رأتها تتحرك وهي تلتفت ! وما زاد في هول الصورة وسوادها الضوء الصغير ، نهضت عندئذ واضاءت الثريا الكبيرة ،
فظهرت صورتها في الزجاج باهتة لم تكن قد لاحظتها من قبل . ضحكت عندئذ من نفسها لكنها لم تزل متوترة الاعصاب ، وصمت على انها لن تخاف من شيء من الآن فصاعداً قبل ان تعرف ما هو .
عندئذ قرع الجرس فركضت لتفتح الباب وكانت امها قد أتت مع أخيها والخادمة . فتنهدت وارتاحت نفسها . لقد ذهب عن صدرها عبء ثقيل .
عندما رأت امها الثريا الكبيرة مضاءة تتلألأ سألتها متعجبة :
- لماذا انرت كل هذه الاضواء ؟
لم تجب نعمت ، فسبقها عادل بالجواب وهو يضحك بتهكم :
- انها تخاف من العتمة .
فاحمرت نعمت خجلاً ولعنت خوفها هذا . بعد قليل شرع عادل بدروسه وجلس الى الطاولة يكتب فروضه وكان قد تأخر بالابتداء فيها . في المطبخ كانت الخادمة تهيء العشاء ، فتصل اليهم حرتقة الطناجر واصوات الصحون . كل شيء كالمعتاد . عندئذ اخذت نعمت كتبها وشرعت تدرس وقد اطمأنت نفسها تماماً .
احتاجت بعد برهة الى القاموس ولم تجده بالقرب منها فسألت عادلاً :




