الـ ... ! » وألقى الصبي بقطعة نقوده ، وجيانيتو في شغل عنها يقول للضابط : « عزيزي جامبا : اني لا استطيع السير ، فسترغمون على حملي ! » وشمخ الضابط بأنفة وكبرياء ، وصعّر خده في صلف ثم قال : « ان نشوة الانتصار ، ولذة الفوز يبعثان فيّ قوة استطيع بها ان أحملك وحدي على كتفي حتى تبلغ المدينة » وتفرق الشرطة ، فبعض يأسو جراح جيانيتو وبعض يهيء له سريراً من قش والضابط بازائهم ينظر ... وعلى خطوات ، الصبي فورتناتو يداعب ساعته فرحاً متهللاً ... وبينما كل في عمله لا يني ولا يتباطأ هبط ماتيو فالكوني وزوجته ..
ووقف « ماتيو فالكوني » حائراً لا يدري مما حواليه شيئاً ، ولكن جامبا اندفع يقص القصة ويثني على فورتناتو ، ويشكر ما أسداه اليه من خير واستطرد في حديثه : « ان هذا المجرم الاثيم قد دفعنا عنه بقوة وشدة ، ثم اندس في التبن فما استطاع واحد ان يستشعر وجوده ، ولولا فورتناتو ... » وصاح الاب والام معاً : « فورتناتو ... » قال الضابط في هدوء : « نعم ، لولا فورتناتو ما استطعنا ان نعثر عليه ، ولذهب في الهباء ما عانينا من شدة وما بذلنا من جهد . سأخبر عمه القائد ليرسل اليه جائزة سنية ، وسأسجل اسمك واسمه في التقرير الذي ارفعه الى النائب العمومي » ، واستشعر الاب شدة الصدمة فصدع قلبه حين بدا له ان ابنه باع شرفه بالثمن البخس ، فصاح من الاعماق صيحة خافتة كأنها صدى خفقات قلبه المكلوم : « يا للخيبة ، يا للخيبة ! » ثم التفت فوجد جيانيتو ملقى على سرير من قش ، شدّ اليه في غير رفق ولا لين ،
وثبت بصره على الرجل فما استطاع ان يحوّله وفي رأسه الاسى والاسف ، وفي وجهه العبوس والحزن ، وفي عينيه اللوعة والحسرة ، فرأى الرجل يدير بصره نحو الدار فيبصق ويقول : « هنا ، هنا دار الخائنين السفلة ! »
أيّ امرىء تحدّثه نفسه ان يهين هذا الرجل الكورسيكي وهو يظن بكرامته ان تُثلم ، وبصون شرفه ان يُمتهن ؟ ويل له ... ويل لمن تنفرج شفتاه عن كلمة يستشعر منها ماتيو بالاهانة والسخرية ان طلقة واحدة من بندقيته ، أو رمية واحدة من حربته هي العقاب الوحيد لمن يفعل ! ثم هو لا يطمئن خاطره أو يهدأ باله الا ان يغسل الاهانة بدم المتبجح الجريء ! ولكن ... ولكن ماذا يفعل وابنه هو الذي ثلم عرضه ولوّث شرفه ؟ لقد أحس بوخزات الألم تحزّ في قلبه ، ورأى الفضيحة والعار فيما فعل ابنه فوضع يده على جبينه المتسعّر والهموم تتنازعه ..
وأراد الابن ان يترضّى الرجل المسكين حين رأى ما ارتسم على وجه ابيه فولّى وجهه شطر الدار ومشى يتثاقل ثم عاد وبين يديه وعاء مليء لبناً وقدمه في ذلة وخضوع الى جيانيتو ، غير ان الرجل صرخ في وجهه : « تنحّ ، تنحّ ايها الـ ... » ثم التفت الى شرطي الى جانبه يطلب اليه ماء ... لقد شرب من يد الشرطي وقد كان - منذ فترة - يصبّ عليه وابلاً من رصاص ، اما ابن ماتيو ... « ماتيو فالكوني » ..
وانطلق الضابط والشرطة يحملون المجرم الى المدينة ، وماتيو وجيوزيا في مكانهما مطرقين وقد اربدّ وجهها والصبي بينهما يردد بصره في وجه امه حيناً وفي وجه ابيه حيناً آخر وقد ذهل عن نفسه . ثم نظر الاب الى ابنه في قسوة وقال في صوت أجش كأنه قصف الرعد : « حسن ما فعلت ! » وصرخ الصبي فزعاً : « ابي
إني ! » ثم انطلق يجثو عند قدمي أبيه والعبرات تتناثر من محجريه تسأله العطف والرحمة ، فصاح الاب : « تنحّ ، تنحّ أيها النذل » فجمد في مكانه .
ورأت الام طرف السلسلة يتدلى من جيب صدرية الصبي فقالت : « أنّى لك هذه ؟ » قال : « أعطانيها ابن عمي جامبا » فنزعها الاب في شدة وألقى بها في عنف على صخرة فتحطمت قطعاً قطعاً وهو يقول : « هذا هو أول خائن في أسرتنا » وانهمرت عبرات الطفل مرة أخرى وماتيو يحدجه بنظرات قاسية ملتهبة ، ثم سار في صمت نحو الغابة وبندقيته على كتفه ، ثم ... ثم نادى الصبي فتبعه وهو يبكي ، وانطلقت جيوزيا على أثرهما وقلبها يضطرب ، والارض تكاد تميد بها من فرط الشجن ، وأمسكت بذراع زوجها تستعطفه « ماتيو ، ماتيو ، انه ابنك » فقال الرجل في غيظ : « ارجعي ارجعي ! انه ابني وانا ابوه ! » فراحت المرأة تضم ابنها اليها في قوة كأنها تريد ان تنتزعه من بين يدي أبيه ، وهي تذرف الدمع السخين . وعادت الى الدار تجثو عند رسم العذراء ، وتصلي في خشوع وضراعة .
وفي الغابة ، عند صخرة كبيرة وقف الرجل ثم نادى ابنه : « تعال ، تعال هنا يا ولد ، اركع واقرأ صلواتك ! » غير ان الصبي اندفع نحو ابيه : « أبي لا تقتلني » فزأر الرجل زئيراً دوى له المكان وتزلزلت منه قوة الصبي « اقرأ صلواتك » فامتثل الصبي مرغماً ثم رفع رأسه بعد حين وفي عينيه العبرات ، فقال الرجل : « هل أتممتها ؟ » ففأى الصبي نحو ابيه « آه يا أبي ! لا تقتلني ! الرحمة يا أبي والصفح ! لن أعود لمثلها . سأطلب الى عمي القائد ان يعامل سجينه بالحسنى . لا تقتلني !! انني ابنك ، لقد أخطأت فأرجو الغفران والشفقة ! » ثم اندفع في حديثه يليّن ما قسا من قلب أبيه ، ولكن الاب كان قد صوّب اليه بندقيته وهو يقول :
