كانت الحكومة اللبنانية قد تقدمت من المجلس النيابي بمشروع خطير - هو مشروع التجنيد الإجباري في لبنان، وجدير بالمرأة اللبنانية أن تقول فيه قولها الحق وأن تقول كلمتها بجرأة وإخلاص، قبل أن يقولها الرجل.
فالمرأة هي المسؤولة الأولى عن تبني هذا المشروع والدعوة له في البيت والمعهد، وفي الصحف، ومن على المنابر وفي كل مكان تكون فيه!
ومن أجدر من المرأة بذلك وقد كانت المرأة دائماً أماً وزوجة للأبطال، وحيث لا يوجد أم لا توجد أمة.
إن العهد الجديد يتطلب جيلاً جديداً ولا يتسنى لنا خلق هذا الجيل الجديد إلا بخلق جيل جديد من الأمهات، وأمهاتنا كان الخوف حتى اليوم يخيم على قلوبهن، فلم يطلع لنا في الشباب إلا الثمار العجفاء!
لقد صمتت المرأة طويلاً ومعها صمتت القوى الحية في الشباب، والأمومة الجبانة الخائفة المترددة لا تطلع غير جيل خائف متردد جبان.
نحن في هذه الفترة من الزمن والقوى الشريرة تحاول محاولتها الآثيمة ضد شعبنا وأمتنا، نحن اليوم بحاجة إلى أمهات يدفعن بأولادهن إلى الاستشهاد مهما تكن التضحيات غالية وجسيمة ...
أيها السادة:
يوم تقدمت الحكومة اللبنانية بمشروعها هذا كان لبنان في تلك الساعة يسجل انتصاره الأول على التردد الذي رافق حياته طوال عدة أجيال.
ويوم تضع الحكومة اللبنانية مشروعها هذا موضع التنفيذ يسجل لبنان
الانتصار الثاني على الخوف والشك وعلى الإنهزامية التي جعلت حياتنا القومية ضئيلة فقيرة ... وساعة يمشي شباب هذا البلد، جباهاً عالية وقامات منتصبة، وأعصاباً هادئة، صفوفاً صفوفاً على زغردات الأمهات والزوجات والحبيبات، نسجل آنذاك انتصارنا العظيم الأخير .. ونعيش في التاريخ كما تعيش الشعوب الكبيرة في التاريخ!
لقد كانت حياتنا القومية حتى اليوم فقيرة هزيلة، فانعدمت فينا القيم الخلقية التي تنمي الغرائز الكفاحية في الإنسان، وتربي فيه روح النضال والكفاح والنظام والحياة الحرة الكريمة لا تتأتى إلا للشعوب المناضلة، المنظمة، المدربة. والجندية بما فيها من صرامة ونظام، تنمي هذه النزعات القومية في الشعوب، وتخلق جيلاً جديداً يمتاز بروح المجالدة والمجاهدة.
من طبيعة الحياة أيها السادة، إنها كفاح ومجالدة - كفاح يبدأ الإنسان منذ طفولته، كفاح الإنسان في سبيل نفسه، كفاحه في سبيل عائلته، وكفاحه في سبيل وطنه - وهذا أشرف كفاح في الحياة يقدمه الإنسان لأشرف مهد وأشرف لحد .. لوطنه!
وما أحوجنا نحن في هذا البلد، إلى تنمية هذه القوى في نفوسنا، ما أحوجنا إلى تربية أجسادنا تربية قوية قوية، ما أحوجنا إلى نظام يخلصنا من هذه الفوضى التي تسيطر على مرافق حياتنا، فتجعل حياتنا مائعة رخوة، لا ضابط فيها ولا مسؤولية.
فنحن نتهرب من النظام لأننا ألفنا الفوضى، والنظام صعب خشن والفوضى سهلة لينة.
ونحن نرهب المسؤوليات، مهما كانت صغيرة لأن المسؤولية رجولة وإرادة وعنفوان، والرجولة تنقصنا.
ونحن نخاف الجندية، لأن الجندية تضحية عظيمة، وفي التضحيات لم نكن دائماً كباراً.
ما أزال أذكر يوم تقدمت الحكومة بمشروع التجنيد الإجباري، تلك الضجة، التي قامت في بيوتنا، وذلك الذعر الذي دبّ في قلوبنا، وتحدث الناس ويتحدث بعض الناس قائلين: ... ولماذا التجنيد الإجباري؟ وهل يجوز أن نقدم أولادنا وفلذات أكبادنا طعاماً للنار ومن أجل أي شيء يصبح أولادنا جنوداً؟؟
ما الذي يجوز إذن أيها السادة؟
وهل في الجندية عار وهي شرف الأمة وكبرياؤها؟
وما الأمة إن لم تكن جنوداً كباراً في أرواحهم، كباراً في أجسادهم؟
أيجوز إذن أن يبقى شبابنا في هزاله، يزرع الشوارع جيئة وذهاباً، لا هدف له ولا غاية؟
أيجوز إذن أن يعيش شبابنا في أنانيته لا يدفعه إلى المجد دافع؟
وما الذي يخيفنا من التجنيد الإجباري وهو ظاهرة قومية في كل شعب وعصرنا هذا عصر تتسابق فيه الأمم والشعوب إلى تنمية المواهب الرياضية في الشباب، فتقيم المخيمات للتدريب وتؤسس النوادي الرياضية وتعزز الحركة الكشفية وتعوّد شبابها على احتمال المشاق وعلى التضحيات .. والشعوب من قديم الزمان كانت تعنى بفكرة التجنيد، وكانت ترى فيها ظاهرة شرف وموضوع فخر واعتزاز.

