منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً عندما أخذت المرأة في لبنان تشعر بشيء من الواجب الاجتماعي والوعي القومي تنادت سيدات لتأليف الجمعيات النسائية والتعاون في الرأي والعمل شاعرات بأن المرأة لن تتوصل إلى ما تبغيه من إصلاح في المجتمع اللبناني، إن هي لم تؤلف كتلة متجانسة الأهداف والتربية تسعى وتعمل يداً واحدة. وما لا شك فيه أن إلى تأليف الجمعيات يرجع كل الفضل فيما قامت به المرأة من أعمال. ذلك لأن العقلية إذ ذاك لم تكن متقدمة بحيث تقبل ما تقترحه امرأة بمفردها. على أن المجتمع إذ واجه عدداً من النساء يعملن معاً اضطر إلى الاعتراف بهذه الهيئة ثم إلى درس مطالبها وتنفيذ بعضها.
ابتدأت المرأة العمل منذ ما يزيد على ثلاثين سنة وهي ما زالت تكد وتسعى، وما زال عدد الجمعيات يزداد سنة بعد سنة فمنها الجمعيات التي تعني بالطفل والمشرد واليتيم وتلك التي تشجع الصناعة الوطنية وتكافح الأمية والتي تفتتح المدارس الوطنية وتنشئ المجلات النسائية. وتلك التي تعول الفقير وتعلمه والتي تدير المستوصفات المجانية والمستشفيات وتعمل على رفع المستوى الصحي وتلك التي تحارب الرذيلة والبغاء وتهتم بالمسجون وتلك التي تعمل لحماية الفتاة وغيرها وغيرها.
وقد دفع حب العمل والاهتمام بالصالح العام المرأة إلى إنشاء فروع في لبنان لمنظمات عالمية كالاتحاد النسائي وجمعية الشابات المسيحيات والصليب الأحمر وجمعية الشابات المسلمات وانضمت المرأة أيضاً إلى بعض منظمات الشباب في لبنان ودخلت الجمعيات المختلطة تعمل مع الرجل على تحسين الحال.
هذا هو عالم الجمعيات النسائية في لبنان. عالم تلتقي فيه الكثيرات يوماً
بعد يوم ويتعاون للوصول إلى هدفهن. وهو ككل عالم فيه الحسنات والأخطاء، نعم نخطئ أحياناً على أننا بعد أن نتعثر نحاول أن نقف ويساعدنا على ذلك إيماننا بسمو أهدافنا ويقيننا بأن البلاد لن تصل إلى المرتبة التي نرجوها لها إلا بتعاون الرجل والمرأة.
وإن للعمل في الجمعيات منافع جمة أولها وأهمها إنماء روح التعاون والدرب على العمل مع الغير. وهذا ما نحن بحاجة ماسة إليه. فإننا في الشرق نعيش كل في دائرته الضيقة إذ لم نتعود على منذ الصغر العمل مع الغير والتقيد بقيود الجماعة. أما في الجمعيات فقد تدرب نساؤنا العاملات على هذا وأصبحن يفهمن روح التعاون أكثر من غيرهن. ثم هناك نظام يشعر الفرد بضرورة التقيد به. نظام المحافظة على الوقت. نظام القوانين المعمول بها. نظام الأغلبية. كل هذا يجابه العضو منذ الدقيقة الأولى فيخضع له قهراً من أول الأمر لكنه بعد مضي وقت قصير يأخذ يتعشق النظام ويطالب به وينفر من الفوضى. وهناك الغيرية تحارب الأنانية. فنجد المرأة بعد أن تكون قد عملت مدة من الزمن في جمعية واكتسبت روح الغيرية تنسى نفسها وتضحي بوقتها ونشاطها في العمل.
التعاون والنظام والغيرية. ثلاثة تسيطر على جو الجمعيات وهي دعائم مقدسة يجب أن تتفهمها كل سيدة جيداً قبل التفكير في دخول جمعية. فالتي لا تجد في نفسها ميلاً إلى هذه والتي تريد أن تتوصل عن طريق الجمعيات إلى ما تخاله جاهاً
وفخفخة والتي لا تحترم وقت غيرها والتي تشاء أن تخلق حولها عالماً صغيراً تكون هي وحدها نقطة الارتكاز فيه وتلك التي لا تتسامح وتتساهل أمام غلطة زميلة أو كلمة قاسية هؤلاء ليبتعدن عن كل جمعية إذ لن ينفعن أحداً فيها ولن يظل أمرهن وأهدافهن سراً. لأن كل عضو يفهمهن تماماً.
أما الوظائف في الجمعيات فهي هدف منشود يكثر عليه الزحام. ذلك لأن البعض يرى فيها سلماً يوصله إلى الظهور. على أن هذا البعض لن يأتي بعمل نافع، لأنه لم يفهم جيداً أن الموظف خادم للمجموع أُتمن على عمل لمدة من الزمن وعليه أن يقوم بما اؤتمن عليه، فالرئيسة ونائبتها وأمينة الصندوق والكاتبات كلهن تسلمن عملاً ليخدمن به. ولتعلم كل سيدة أن الوظائف ليست وقفاً على فئة دون أخرى وأن ليس في الوظائف درجات. ولتعلم كل من تريد أن تستأثر بمنصب أو من تقبل واحداً وترفض غيره لزعمها أن أحدهما أعلى مرتبة من الآخر، لتعلم أنها على خطأ وأن كل من يتعامل معها يفهمها جيداً وأن كل محب للعدل وخير العمل سوف يقاوم هذا الاعوجاج فيها.
هذه صورة لبعض ما يرى في الجمعيات أبرزتها بكل صراحة على أني أصرح بكل فخر بأن هناك الكثيرات من العاملات في الجمعيات نفخر بهن كلنا، دخلن وهدفهن الخدمة والعمل حباً في الخدمة والعمل. لا يسعين إلى وظيفة ولا يتطلعن إلى الظهور ويقدمن صالح العمل على كل ما سواه. يعملن بجد وراء الستائر ويدعمن القانون والحق بقطع النظر عن الصداقات والعداوات هؤلاء يترفعن عن كل تعصب طائفي ويقدمن الآراء والنصائح غير ملوثة بأدران الغايات الشخصية والتكتلية واللؤم
