والانانية. وهؤلاء يحترمن الوقت والنظام ويقدرن المسؤولية.
هذه لمحة عن الجمعيات النسائية في لبنان وهي وان لم تكن قد وصلت إلى درجة الكمال الا انها سائرة في الطريق وواصلة باذن الله وبجهود المرأة المخلصة التي تضحي بالوقت والراحة لنفع الوطن والنشء بدل قضاء الساعات حول موائد اللعب.
ولي امنية ارجو ان نصل يوماً اليها هي توحيد معظم الجمعيات التي تعمل لغاية واحدة واني اعلم جيداً ان ما يعوق هذا التوحيد ليس الصعوبات المادية او الاقتصادية. بل ما يعوقه هو التعصب الطائفي الذي يفتك بنا فتكاً والانانية وحب الظهور المتأصلين في جيلنا هذا. فلنرب النشء على محبة الغير والتعاون وحب السلام واسداء المساعدة وانكار الذات واحتقار الظهور والفخفخة ليتوصل بهذه الفضائل إلى ما فشلنا نحن فيه جميعاً رجالا ونساء.
اننا نعمل للمستقبل وللجيل القادم، بعد ان يئسنا من اصلاح جيلنا هذا. وتبعة العمل للجيل القادم يقع معظمها على المرأة وهي تقدرها قدرها وستصل إلى هدفها السامي باذن الله.
رأيته مفكراً ينظر إلى البعيد، وفي عينيه صورة حلم قد استقر هناك، حتى اتخذ صورة الحقيقة التي لا تتزحزح.
في جبينه عزم الصخور وفي نظراته هدوء البحيرات في امسية صيف قائظ.
في شفتيه رقة التقشف وحرارة الايمان، وفي وجهه نحول النساك وصفرة العابدين.
رأيته يحلم ولا يسترسل في الحلم. ورأيته يعمل حتى يغرق في عمله وينسى نفسه وما حوله. ثم ينهض ويسير إلى حيث يتصل بالناس فيجلس إليهم، ويصغي إلى المتكلمين فيطيل الاصغاء. ثم يتكلم فينبعث من عينيه شرر ومن شفتيه لهب وكأن روحه تتجمع على شفتيه. ويندفع في الكلام فتنقاد له الابصار والقلوب وتلتهب الوجوه بشعاع الايمان هومع الناس لكنه ليس منهم هو جزء من نفوسهم ومع هذا فهو مختلف عنهم لانه نسيج وحده حاولت ان اكلمه فاذا هو مشغول عني معرض عن الكلام. وحاولت ان اقرأ في نفسه وهبته فاذا هي تحدثت عنه بلغة افصح من الكلام.
نشأت في بيت نعمة لكني عشت عيشة الزاهدين
عاشرت الناس كما عاشرت الكتب وبنيت حياتي من الناس ومن الكتب
ان ثورة امي علمتني الصمت وكذب ابي علمني الصدق وعبادة الحقيقة.
رأيت الناس حولي يعبدون المال فمقته.
رأيتهم يبتسمون رياء فاحجمت عن الابتسام. ورأيتهم يظهرون غير ما في نفوسهم فكتمت ما في نفسي وكرهت الظهور.
رأيتهم يتحاسدون ويتباغضون ويشتهون ما لغيرهم فقتلت في نفسي الحسد والبغض والشهوة
رأيتهم يحنون جباههم حتى تمس الارض امام الغريب المستعمر وكل ذي مال او سلطان. فاعرضت عن الغرباء وابتعدت عن ذوي المال والسلطان.
رأيتهم يؤلفون الاحزاب وينظمون الدعايات، فهم بين راع مستثمر واغنام خرقاء فهربت من الاحزاب واستعذت بالله من الاسماء.
تاقت نفوسهم إلى خيرات الدنيا فبذلوا لاجلها ماء الوجه وعرق الجبين. قالوا نجمع لاولادنا فعافت نفسي الاولاد وعزمت ان لا اترك بعدي طفيليين يأكلون من تعب آبائهم. حررت نفسي من كل رغبة ومن كل عاطفة، الا عاطفة الالم لرؤية الشقاء والظلم والانانية والجهل تقيم لها بين الناس عروشاً وتلقي على ابصارهم اغشية كثيفة. رافقت محرري البشرية وقادتها الغابرين. فوجدت انهم لم يحرروا الناس الا بعد ان حرروا نفوسهم وقتلوا الوحش الكامن فيها. عملوا دون قنوط وماتوا في سبيل حلم بعيد.
هنا انقطع عني الحديث. ونظرت حولي فاذا انا اقرأ في الغيب، وقد اختفى من امامي الرجل الذي شاهدته منذ هنيهة. وتطلعت حائرة، لكن صوتاً همس في اذني من ناحية لا اعرفها: «ان الرجل الذي رأيته هو الزعيم المنتظر. ولكن ... انما رأيت حلماً لان ذاك الانسان لم يولد بعد».