القاعة الكبرى في «لينغراد» فخمة كعادتها .. والزجاج الملون يلتمع تحت الإضواء الرائعة .. والمقاعد المخملية تنسجم انسجاماً بديعاً مع الأبسطة الأرجوانية المنتشرة هنا وهناك .
وعلى الجدران البيضاء ، بلون الزنبق تنعكس ألوان مذهبة من تصاوير مذهشة . ويسمع نغم عميق من كمنجة .. ونغم آخر هادئ ، حنون ينبعث من أخرى . ثم يدوي صوت قوي في القاعة ... وتبدأ كل ضجة في القاعة ، ويسودها صمت عميق رهيب ، يؤذن ببدء الحفلة الموسيقية .
ويظهر مدير الأوركسترا وبحركة من عصاه تخضع له جميع آلات الموسيقى .
وتبدأ الفرقة بعزف «سيمفونية تشيكوفسكي الخامسة» ويستولي على النظارة شيء من السحر وهم يصغون لهذا الحنين العميق .
كان يجلس في المقاعد الأمامية صبية ذات شعر أسود ، تتكئ على يديها ، وفي عينيها العميقتين ، وفي وجهها الشاحب ، كان يرى الناظر أي إحساس عميق ملح كانت تحسه هذه الفتاة وهي تصغي إلى موسيقى هذا المؤلف الروسي الخالد .
من كانت تلك الفتاة ؟
إنها فيرونيك دوداروفا ..
في العشرين من عمرها .
كان عمرها أربع سنوات حينما كانت أختها الكبرى تعزف في البيت على البيانو قطعاً تحس معها الفتاة الصغيرة أنها تنتقل إلى عالم آخر فتقترب من أختها وتصغي بقلبها وحياتها ، ثم تجتهد أن تعيد بعض المقاطع التي حفظتها غيباً ..
ولما بلغت الثامنة من عمرها التحقت بمعهد «باكو» الموسيقي المعد للأطفال الموهوبين في الموسيقى .
وفي هذا المعهد بدأت مواهب
«فيرونيك» تتفتح عن عبقرية موسيقية نادرة ، ولم يعد يشبع نفسها أنغام البيانو فقد أصبح فيها شوق ملح للموسيقى العميقة البعيدة الأغوار .
وصممت الفتاة على أن تكون مديرة لأوركسترا سيمفونية ...
وتلتحق بمعهد تشيكوفسكي الموسيقي في موسكو في القسم المخصص لمديري الفرق .
ولاحظ أساتذتها استعدادها القوي لذلك ، وإحساسها العميق ونعومة سمعها ، وذاكرتها العجيبة .
وفي ذات يوم ، قال لها مدير المعهد ستصبحين مديرة لأوركسترا ، يافيرونيك .
وفي سنة ١٩٤٦ في القاعة نفسها التي جلست فيها الفتاة السمراء الحلوة ، تصغي ذات مرة ، في طفولتها ، لسيمفونية
تشيكوفسكي الخامسة ، كان جمهور عظيم من الناس يصغي إلى الفرقة نفسها تعزف السيمفونية الخالدة تحت قيادة الآنسة فيرونيك دوداروفا ...
وفي كل بلد من روسيا ، كانت فرقة «فيرونيك» تعطي ألواناً من الموسيقى الرائعة لكبار الموسيقيين أمثال تشيكوفسكي ، ريمسكي ، راشمنينوف ، بورودين ، كلازونوف ، ليستز ، شوبرت ، وتشعر فيرونيك أن لها رسالة موسيقية يجب أن تؤديها كاملة لأبناء وطنها ، فهي تبشر دائماً بالثقافة الموسيقية الممتازة .
وقد افتتحت بنفسها في حفلة رائعة تقليدية في أكبر مراسح موسكو «يوم المرأة الدولي» .
وتلاقي هذه الفتاة نجاحاً باهراً وتقديراً عجيباً .
ومنذ أمد قريب ، وللمرة المئة ، جلس الناس يصغون في «بارك غوركي» لفرقة هذه الفتاة الناشئة تعزف «اللحن الخامس لتشيكوفسكي» أشهر موسيقي روسيا .


