
التاريخ حكمه على مر السنين والاجيال سيذكر اسم جبران بين اكابر الفنانين، الذين استطاعوا ان يخلقوا من قصاصة الورق او رقعة القماش، رسماً يتكلم، وصورة تنطق.
وقد عادت الى ذهنه ذكريات الصبا قبيل وفاته، فكان يكثر من ذكر امه، والطرائف العذبة الرقيقة التي احاطت بطفولته. وكانت تبلغ من شدة اثرها في نفسه ونفوس سامعيه، انه يبكي وتنهمر دموعه فيبكي الحاضرون وتنهمر دموعهم معه، فيعود الى رشده ويضحك من نفسه ومنهم. لقد كان محقاً في الاكثار من ذكر امه، وكثيراً ما كان ينفجر بغتة ويقول وعيناه شاخصتان في اللانهاية: «... اجل، امي كميلة رحمة، كانت حكيمة فوق كل حكمة. كانت تدرك جيداً ان حب الحرية متغلغل في دمي، فتطلق لي العنان ولا تقيدني الا قليلاً.
وكثيراً ما كنت اقضي معها ساعات صامتاً لا افوه ببنت شفة. وهي تنشد لي اغاني لبنان الجميلة، بصوتها العذب الحنون الساحر، او تقرأ لي اقاصيص هرون الرشيد، وقصائد ابي النواس، اجل، كاملة رحمة، كان صوتها العذب يضرب به المثل في لبنان، ولا يزال مضرب الامثال»
وقال جبران مرة عن امه انها «كانت تعيش طوال عمرها في الشعر، وان كانت لم تكتب بيتاً واحداً، ولكن القصيدة التي بقيت كامنة في صدر الام، اصبحت نشيداً يردده الابن». وقد اصاب قوله كبد الحقيقة، فقد كان يغني على الدوام اناشيد امه، كما كان يغني قصائده، وعند ما ووريت التراب، قال لاصدقائه: «لست حزيناً عليها لانها كانت امي، بل لانها كانت صديقتي»
كان جبران مغرماً بالتربة، محباً
لكل نبت فيها. وكان يقدس الاشجار يحمل لها كل تعظيم واحترام، ويقول: «لو ان في العالم شجرة واحدة لحج اليها الناس من جميع الامم واقبلوا على عبادتها ركعاً سجداً»
وكان مولعاً كذلك بلمس الخشب بيديه، والاعجاب به. كما كان يحب الاحجار الصغيرة، وانواع الحصباء التي كان يجمعها من شواطئ البحار. واذا ما صور امرأة عارية جعل بياضها ناصعاً، ووضع اصبعين على شفتيها فبدت كقطعة من الرخام النفيس الشفاف، وراءها مجموعة من الصخور، فاذا ما اقتربت من الصورة او التمثال وتفرست في هذه الصخور جيداً بدت لك كأنها وجوه بشرية كثيرة، متعاقدة مترابطة، ثم يقول بعد ان يفرغ منها، لنسمها «السكوت»
وقد بلغ شغف جبران بالفن والجمال انه كان في الايام الاخيرة من حياته يردد القول: «ان الجمال فوق كل شيء، فلا العلم ولا الدين يتقدمان عليه».
وقد الحّ عليه مواطنوه في آخريات ايامه ان يعود الى لبنان، ليتزعم بلاده، ويقود الاهلين الى سواء السبيل. وقد كانت لهذه الرغبة التي ابداها اصدقاؤه والمعجبون به، اثر شديد في نفسه ولكنه كان يدرك جيداً، ان عودته الى بلاده خطأ لا يغتفر.. «قد استطيع ان اقود مواطني، ولكنهم لا يستجيبون للقيادة. سيطالبونني بحل مشكلاتهم، ولكن اني لي ذلك، وانا مشكل في ذاتي؟ اذا ذهبت الى لبنان سآخذ «النبي» معي وسأطلب الى الناس ان يستضيئوا معي بنوره ومتى قلت لهم ذلك فقدوا كل ثقة بي. فلست سياسياً.. ولا يمكن ان ارغب في السياسة كلا، عبثاً يحملونني على النزول على ارادتهم.. لن اذهب»
واذكر بهذه المناسبة ان الخطة التي كان يتبعها في علاقته بالنساء، فريدة في بابها. كان هناك صنفان من المرأة في نظره فهناك المرأة التي كانت تحبه وتخلص له، وتتفانى في ولائها، لان هذا الحب كان وليد الاقرار بالفضل والاعتراف بالجميل كان حباً خالصاً، لا يتطلب منه مجهوداً، او بدلاً. وهناك المرأة التي كان يصف حبها له في قوله: «انا ممنون جداً لهذا الغرام، وهذا العطف، ولكنك كالكثيرات مثلك، تعتقدين اني احسن مما انا حقيقة. تحبينني شاعراً ورساماً، وتصبين نفسك الى شيء مني كشاعر ورسام اما انا بالذات فلست تعرفينني، ولا تحبينني»
قرأ مرة فصلاً من «النبي» على زائريه فيه فقرات عن الزواج. فاخذ بعضهم يسأله عن سبب احجامه عن الزواج، فاجابهم مبتسماً: «... لو اني تزوجت وانصرفت عن زوجتي اياماً لانهاكي في الرسم والشعر، لادى ذلك الى متاعب جمة. فقلما تتحمل امرأة تحب زوجها مثل هذه الحالة طويلاً» ولم تكتف احدى الزائرات بهذا الجواب، فصارحته بسؤال آخر: «ألم تحب ابداً في حياتك؟» فما كان منه الا ان نهض من مكانه وتغيرت ملامحه بسرعة البرق واخذ يخاطب السائلة بصوت متهدج قائلاً:
«سأسر اليك امراً قد تجهلينه.. ان اقوى الناس على وجه الكرة الارضية، فيما يتعلق بالمسائل الجنسية هم المبتكرون الفنانون، امثال الرسامين، والشعراء، والمثالين، والموسيقيين. وهكذا كانت الحال منذ الخليقة. ويعتقد هؤلاء الفنانون والمبتكرون، ان العاطفة الجنسية يتمثل فيها الجمال والعظمة. وقد كانت منذ القدم جميلة، ولكنها على الدوام حيية، خجولة».