كان اول من استيقظ ، فوثبت الى مساعدة المحررين يوم لم تكن المساعدة تعني سوى التكاتف الروحي ، لخلو البلاد من منظمات نسائية قومية على كثرة حلقات البر والاحسان .
ولعلع البارود في شهر آب سنة ٩١٤ . وهلعت بعد هذا قلوب الاتراك خوفاً على كيان امبراطوري نعموا بخيراته وفيئه اربع مئة سنة . خافوا وقد رأوا بعيونهم دلائل الانهيار واخذوا يضربون الاحرار ضرب عشواء ، فتصيب المطارق — اول ما تصيب — نسيبات الموقوفين في ديوان الحرب ، وقد علم مصيرهم منذ الدقائق الاولى .
وعلقت مشانق الشهداء في الساحة التي تحمل اليوم اسمهم ! ان في الخدور ووراء الستائر قلوباً طريّة تعرفت باكراً الى لوعة ، تزح تحتها اكتاف الرجال ! ومن لم تبكِ في ذلك اليوم الاسود اخاً او نسيباً ، بكت اخ صديقة او نسيب رفيقة او قومياً عزيزاً من جنود الطلائع .
ذلك اليوم ! انني اذكره رمادياً رطباً كالهاوية ، واذكر يوماً قبله بارداً كالصقيع ، اذكر ساعة مرّ انور باشا في شوارع بيروت واخترق ساحة البرج ووقف دقيقة مغمغماً بين شفتيه :
« هنا سأعلق بنيك يا بيروت يا مدينة الخوارج »
وعلقوهم بعد ان صادوهم كما تصاد صغار الزغاليل .
انني في غرفتي ، اقرأ صامتة بلاغ الحكومة الرسمي . هذه رفيقتي ماري يني عطا الله ، تقرأ رسالة كتبها صديق ليلة
الاعدام ، بينما دموعنا تتساقب ساخنة
فوق الحدود ، وارواحنا تنظم مرثاة صامتة
للحرية وللاحرار !

