نرى في تواريخ الامم - التي هي صور حية عما كان يجول في اعماق النفس الانسانية من عقائد وأفكار ، والتي هي معرض دائم للاعمال التي كانت تصدر عنها - ان بعض العوائد يرسخ الميل الى القيام بها في النفوس فتصبح كأنها غريزة ثانية ، قاسية ملحة في مطلبها ، يطول بقاؤها وتعمر الى ان يتوالى عليها وابل الانتقاد العقلي فتتطور ان كانت قابلة لذلك او تنفت وتندرس وتتلاشى حين يتضح فسادها ويظهر سوء نتائجها .
وانه ليستحيل ازالة هذه العوائد قبل ان تتهيأ النفوس لهذا التغيير . لانها تكون حينئذ مقدسة مرتبطة بعقيدة تمتد جذورها في الماضي البعيد ، وتسحق فروعها الى أجواء المستقبل .
وحين يسود الجهل في أمة نرى ان كثيراً من هذه العادات تصدر عن هوى في النفوس يتسلط عليها فيذهب الانسان حينئذ يبحث عن مسوغ لها في عقيدته الدينية حسب مبتغاه ليرتاح ضميره . وكثيراً ما يخطئ ، وكثيراً ما يقوم بالاعمال الوحشية باسم الدين ، ثم يدفعه الحماس الى التشدد والتحزب لاوهامه ، فيحرك الخرافات حول عقيدته الاصلية يجسمها له الوهم ثم يصبح لها عبداً ، يتعصب لها بافعاله ، لا يستطيع عنها حولا ، ولا يبغي لها بديلا او يملك لها دفعاً .
هكذا رأينا في عصور الانحطاط الماضية التي مرت على البلاد العربية ، ان بعض الخرافات استعبدت شعوبها وسوغت لها خلق بعض العادات التي تتنافى مع روح الديانات القائمة وتختلف عن نصوصها الصحيحة .
ولست بذاكرة هنا مثلا الا ما اصاب المرأة المسلمة من جراء الخرافات
التي حسبها الجاهلون وثيقة دينية .
فالدين الاسلامي الذي قال نبيه محمد صلى الله عليه وسلم : « الجنة تحت اقدام الامهات » . قرر أن الفوز برضى الله يكون بالطاعة والمعاملة الحسنة للام .
وقال : « خذوا نصف دينكم عن هذه الحمراء » . يريد ان يأخذ المسلمون في امور شرعهم عن امرأة هي السيدة عائشة .
وقال : « طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة » . اي انه جعل علم المرأة من الفرائض الدينية .
هذا الدين الاسلامي الذي قرر في قرآنه المجيد : « ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف » .
والذي جعل للمرأة مكانة تساوى مع المكانة التي شرعتها احدث الشرائع ، بل انها كانت تفوقها في بعض النواحي في اعطاء المرأة بعض الحقوق التي حرمت منها المرأة الغربية الى وقت قريب .
فاعتبر لها كفاءة شرعية لا تنقص عن كفاءة الرجل في جميع الاحوال المدنية
من بيع وشراء وهبة ووصية ، فلها حرية التعاقد والتصرف بمالها سواء أكانت متزوجة ام لم تكن . وساواها بالرجل في مسألة التحلل من عقدة الزواج بطرق قانونية . وشرع حق الارث للزوجة ، وحق الحضانة وميز المرأة عن الرجل في مسائل النفقة .
ومع ذلك فقد شاع عند المسلمين في الماضي بعض العادات التي تتنافى مع الشريعة وتغاير مع المراد منها والتي اساءت الى المرأة الى حد بعيد كما اساءت بنتيجة ذلك الى الرجل بل الى الامة باسرها . واهم هذه العادات :
١ - التضييق على المرأة بحجاب غير مشروع .
٢ - الطلاق لاسباب تافهة لا تبيحه . ( بدون ان يلتفت المطلق الى الحديث الشريف : ابغض الحلال الى الله الطلاق ) الامر الذي سبب خللا في ركن الاسرة وانحطاطاً في معاملات وسلوك افرادها .
٣ - تعدد الزوجات الذي اشترط له الدين الاسلامي شروطاً شديدة تكاد تكون بمثابة التجريم .
٤ - منع الفتاة من التعلم واعتبار العلم مفسدة لها .
كل هذه وغيرها امور قام بها الجاهلون في الماضي وسوغوا لانفسهم التصرف باحكامها بدون وازع عقلي وتفهم لروح الشرع فاساءوا الى انفسهم والى بلادهم حتى ظن الكثيرون - ممن لم يقرأوا نصوص الشرع الاسلامي - انه يساعد على اذلال المرأة وتأخرها .
وعندما يصل شعب الى هذه الحال ، وقد نوم قواه العقلية سحر اوهامه وخرافاته ، في هذه الحال تلزمه هزة عنيفة لينفض وبال امره ويفيء الى فضاء الحرية والانطلاق بعقله وفكره .