لم يعرف الشرق الاوسط في عصر من عصوره ، امرأة لعبت دور « مي » زياده في حقلي الادب والاجتماع .
فتحت مي زياده عينيها فرأت المرأة الشرقية عامة والعربية خاصة ترزح تحت عبء ثقيل من الجهالة والاستعباد والتقليد ، رأتها سلعة حقيرة لا شأن لها ولا رأي ولا اتجاه ، فثار كبرياؤها الانثوي الجريح ، يثأر لبنات جنسها وبفعل ، فعاهدت نفسها على ان تجاهد لترقيتهن وتحريرهن او تموت ...
وكان قاسم امين في مصر يخطب ويكتب ويوجه بلا هوادة في هذا السبيل ، وكانت « باحثة البادية » لا تقل عنه نشاطاً ولا عزيمة ، فهل تكون مي اقل منها تأثيراً ؟ ... هل ترضى بوضع المرأة المذل ولا تبالي ! ... ولكنها تجهل العربية .. فكان عليها ان تبدأ بدرسها لتضيف بعدئذ سهمها الى حملة انهاض المرأة الشرقية وتحريرها .
وبالفعل ، اكبت مي ليل نهار تدرس العربية باجتهاد ، وكان اول ما طالعته « نسائيات » باحثة البادية فترك لديها الاثر البليغ الذي حملها الى الاتصال بمؤلفته وكتابة سلسلة ابحاث حولها وحول كتابها جمعتها فيما بعد في « باحثة البادية »
وشقت مي طريقها سريعاً واحدثت مقالاتها ودروسها دوياً عميقاً في نفوس النساء والرجال معاً ايقظ لديهم الحس الانساني المخدر تحت تأثير الاستسلام لسنة المجهود الاقل . لقد وعت المرأة عنصراً اساسياً في المجتمع يتوقف رقيه على رفع مستواها . « يجب ان يبدأ بتعليم المرأة لانها الاكثر جهلاً . يجب اصلاحها السريع ليتيسر اصلاح الرجل . يجب ان يباشر بتحرير المرأة لئلا يكون المتغذون بلبنها عبيداً . وهل تربي العبدة الا عبيداً ؟ ... يجب ان يحسر غشاء الخزعبلات والاوهام عن عينيها ليدرك الناظر فيها من زوج واخ وولد ان معنى الحياة عظيم » .
والمرأة اذ تتطور ، في نظر مي ، لا ينبغي في حال من الاحوال ان تفقد من انوثتها بل عليها بالعكس ان تغذي هذه الانوثة وتبلورها دوماً : عليها وهي فتاة ان تتلقى العلوم بنسبة المنزل الذي سوف تديره يوماً ، وهي زوجة ان تكون عضداً لزوجها الذي « تكون قد اختارته بملء رضاها ، لا كما اراده لها الجيران والمعارف » وهي أم ان تسهر على تربية بنيها وبناء شخصياتهم ، وهي مواطنة ان تقوم بواجباتها خير القيام لتنعم بالتالي بالحقوق التي تجعلها بمستوى اختها الغربية »
لقد ارادت المرأة انثى بالدرجة الاولى تنمو كبيرة القلب غزيرة الحنان « تصلب قلب الرجل قليلاً - او كثيراً - في حرب الاقتصاد التي ما فتئ يشهرها في ميادين الحياة . فلحق ببعض عواطفه جفاف وتوتر هي من مقتضيات المنافسة والجهاد . على ان القلب مازال مملكة المرأة ، وفي هذه المملكة الضيقة الرحبة تجتمع القوة والدقة والكآبة والصفاء ويختلط التأمل بالاحلام ، والقنوط بالرجاء . عندما لا يتكلم من الرجل غير صوت الطمع والتهديد والمفاخرة تسمعن في صوت المرأة انيناً كأنما هو بقية زفرة او تتمة بكاء وحينما يعتز بادراك ذروة السؤدد ونيل بعيد الغايات ترين المرأة منحنية على قلبها لان شيئاً يظل نائماً فيه » .
وتذهب مي الى ابعد من ذلك فتحمل على صديقها افلاطون لازدرائه المرأة ، وتقترح في آخر حياتها ، وقد شهدت مآسي الحربين الاخيرتين وما جرت من الاهوال ، ان تتسلم النساء ذمام الحكومات لتحقيق سلم خلاق يدوم بعد ان ادت قيادة الرجل الى الضغائن والحروب .
لقد كان لرسالة المرأة التي حملتها مي كل حياتها بثبات واباء واخلاص ، ابعد الاثر واعمق ... ذلك انها انتزعتها من روحها الثائرة فلذة نابضة مولدة ، فجاء صوتها اعذب واقوى الاصوات التي ارتفعت في سماء هذا الشرق لتحرير المرأة العربية : فيه غصة الالم ، وفيه حمية الثورة وفيه ثقة الايمان الاكيد .
جميل جبر

