لست مغالية قط إذا قلت إن أهم مميزات الرقي الاجتماعي وأجدرها بالعناية هو المستوى الصحي العام الذي تتمتع به الأمة . فبمقدار ما يكون المستوى الصحي في أمة من الأمم عالياً ، بمقدار ما تكون هذه الأمة راقية .
إن الأمراض التي تتفشى في الأمم وما يتعلق بها من معالجة ووقاية وإرشادات علمية ، لا يمكن التخلص منها إلا بواسطة عناصر فعّالة هي العناصر التي وضعها العلم في خدمة الإنسانية وأناط بالممرضة مهمة القيام بالشطر الأكبر منها ... إن مهمة التمريض مهمة شاقة جداً ولكن المرأة استطاعت ، بما لها من قوة إرادة ، وجلد على العمل المستمر ، أن تذلل هذه المشاق لأنها وجدت في القيام بعملها عزاءً كبيراً في تخفيف آلام البشرية وتعاستها . ولقد لمست الحكومات الراقية وأصحاب المستشفيات ، والعلماء والأطباء ما تقوم به الممرضة من أعمال نبيلة في حقل
الإنسانية ، فاحترموها وقدروا مهمتها خير تقدير وجعلوها العامل الأساسي في الدفاع عن الصحة عامة ومحاربة الأوبئة على اختلاف أنواعها .
إن مهنة التمريض تتطلب عنصرين مهمين هما الدرس العلمي ، والدرس النفساني ... فكليات التمريض لا تقبل في عداد طالباتها إلا من كانت حائزة على الشهادة الثانوية وهناك تمضي ثلاث سنوات في التحصيل العلمي تطلع على الكثير من المواد التي يدرسها طلاب الطب أنفسهم ، فضلاً عن الدروس التجريبية والاختبارات الخاصة ، والوسائل العملية التي تكتسبها في المستشفى الذي تدرس فيه .
وهل لي أن ألفت الأنظار إلى هذه
الفتاة التي تضحك لها الدنيا لأنها لم تبلُ بعد منها الأسنوات معدودات؟ هل ترونها ترفلُ في ثياب بيضاء هي رمزٌ للطهر والمحبة ؟ تسهر الليالي الطوال إلى جانب المريض ، لا يغفو لها جفن ، تقدم له الدواء فتساعده على احتمال أوجاعه وتؤاسيه لتعيد إلى نفسه الأمل بالحياة كل ذلك وابتسامتها العذبة لا تفارق ثغرها لأنها تقرأ في أعماق هذا المريض المطروح أمامها أنه بحاجة إلى الابتسامة الرضية والتعزية الحلوة أكثر مما هو بحاجة إلى علاج ودواء ... هل لي أن ألفت أنظار الرأي العام إلى أن مهنة التمريض مهنة شريفة سامية وآمنة لا تستطيع أن تتحمل مشاقها وأعباءها إلا من تحلت نفسها بالقوة والإيمان والمحبة . هل للرأي العام اللبناني أن يعلم أن الممرضة عضو فعال في الجسم الطبي ، تسير والطبيب جنباً إلى جنب ، فهي بجانبه تجاهد وتساعد وتسعى لمعرفة الداء وتخفيفه في المستشفى وهي في المختبرات تفتش مع الطبيب على العناصر والجراثيم وتسعى لتفهم كيفية انتقالها وتفشيها ثم طرق الوقاية منها .
وهي في دور التوليد خير من يعطف على الطفل ويتعهده بالعناية والتربية .
ولو توفر لدينا العدد الكافي من الممرضات القانونيات لجهزنا مستشفيات دوارة تتجول في مناطق لبنان النائية حيث لا أثر للطب والتطبيب ، فتعلم الناس طرق الوقاية من الأمراض والأوبئة ، وتعمل على توزيع الأدوية عليهم وتلقيحهم ضد هذه الأمراض .
لو توفر لدينا العدد الكافي من الممرضات لقل عدد الوفيات في البلاد ولاستطاعت الحكومة أن تفتح أمامهن أبواب السجون لزيارة المحابيس والإشراف على حالتهم الصحية ، ولاجبرت الحكومة كل معمل ومصنع أن يتعاقد مع ممرضة أو


