
... وكدت أنسى الغرض الأول من زيارتي عندما استقبلتني السيدة فريدة بحرارة . ورحنا نعيد ذكريات التلمذة يوم جمعتنا كلية البنات الأميركية على مقاعدها ، فكنا رفيقتين متفاهمتين !

.. وكدت أنسى أن محدثتي المندفعة هي قرينة الوزير المفوض لشرقي الأردن ! ولا عجب ، فاللطف والإنس هما من أول مزايا هذا البيت الكبير ! فلا يفسحون المجال لجو من العظمة المصطنعة ، كما هي الحال مع الكثيرين ممن يكبرون في مناصب الدولة .
... وأجابتني السيدة فريدة وقد بدت على ملامحها إمارات الجد :
- قبل أن أبدي رأيي في التجنيد الإجباري أود أن أنبه إلى الخطأ الشائع بين الأمهات حيث يعتقدن أن سلك الجندية يعرض أبناءهن للتهلكة ، ومن أجل هذا يحرصن على إبعادهم عن هذا المسلك . وقد جاء في آية كريمة : «أينما تكونوا يدرككم الموت» فإذا اعتقدنا بالأجل المحتوم لم يبق هنالك ما يبرر
خوفنا من عمل دون سواه .
إن ما حل بأهل فلسطين يُرد في الأكثر إلى فقدان التنظيم والتدريب العسكري ، فلو تهيأ لهم بعض ما تهيأ لخصومهم لغلبوا دون ريب ولكان انتصارهم مجيداً باهراً ، فما كان عرب فلسطين في يوم من الأيام حريصين على مال أو دم في سبيل الاحتفاظ بوطنهم . وبلادنا التي كانت وما زالت هدفاً لكل طامع ، مهددة على الدوام بغزوات صهيونية لم تعد غريبة عنا ، وإن أول واجباتنا ولا ريب هي رد العدوان ، والسبيل الوحيد هو الانخراط في سلك الجندية .
وقبل أن أودعها عرفتني بأطفالها الستة ! ثلاثة منهم صبيان .. هم لا يزالون أطفالا ، إنما مظهرهم يشير بأنهم سيمسون جنوداً بواسل ، يكونون أول من يتقدم لتأدية واجبه المقدس عندما يحين الوقت !
... وشاءت السيدة أولغا ، عندما

ألقيت عليها سؤالي أن تستعرض في تحيتها أولاً ، الفوارق الاجتماعية التي تميز طبقات الشعب في بلادنا بعضها عن بعض فقالت :
- لقد فشلت برامج التعليم القديمة والحديثة في محو هذه الفروقات من أذهان
أبنائنا . وبعرفي أن لا شيء غير الجندية يستطيع أن يصهر جميع هذه الفوارق في بوتقة الوطنية والديمقراطية الحقة فالجندية هي مدرسة ثانية للشبان ، تعلمهم الرجولة وتعدهم الإعداد الكامل لممارسة الحياة الصعبة التي تنتظرهم في مستقبلهم .
وهنا ارتفع صوتها حماساً وتطاولت في مقعدها كأنما لم يعد في الإمكان كظم تأثرها وقالت :
- أعتقد يا عزيزتي ، بأنه لم يعد من مجال للتساؤل فيما إذا كان التجنيد الإجباري ضرورياً أم لا ، فقد أثبت موقفنا المزري حيال قضية فلسطين أن الجيش المنظم المدرب هو وحده عماد الدولة وركن استقلالها ، فماذا نفعنا العدد الكبير من رجالنا وهم غير مدربين على الجندية ؟
.. وأخيراً . أكدت علي السيدة شماس وهي تودعني على الباب بأنها ساعة خير وبركة ، يوم ينفذ مشروع التجنيد الإجباري ، وأنها من الآن تهيء صبيانها الثلاثة لحياة الجندية التي هي فخر الوطن ودعامته الوحيدة !
... واستقبلني الصغير فوزي بفتوة يافعة وهامة عالية ، أنه مثال للجندي الصغير .
... ويستوي بنا المجلس . وألقي سؤالي على السيدة نهى فتجيب بتأنٍ شديد معتذرة بخجل أنها حديثة العهد بهذه المشاكل ، لكن الموضوع حيوي وهي مطلعة على وقائعه :
- إن البلاد العربية في الوقت الحاضر يضعها موقعها الجغرافي في مركز دقيق