لا اريد ان احمل بيدي قلماً بل مبضعاً ولا ان اكتب بل ان اجرح وادمي .
لاننا مللنا الكتابة وامتلأت الصحف بالحبر الاسود . فانتهى دور الكلام وحان وقت العمل .
اني بهذا المقال اريد ان المس ناحية قل من اكترث بها . مع انها ناحية حيوية كان الواجب ان تكون موضوعاً لجميع الكتاب والمفكرين .
اني افاجىء الشباب بسؤال ، فهل يستطيع احد الاجابة عليه ، انه سؤال بسيط :
هل نحن شعب ؟
كيف نكون شعباً ولا عيد يجمعنا ولا فرح ولا سرور ... حتى اللباس يفرق بيننا .. واغرب من ذلك ان الاصطلاحات والتعابير في الحديث والمجاملة تبرهن على ان لبنان منقسم الى اقوام وشعوب مختلفة ...
بونجور - صباح الخير
لباس اوروبي وكرافات - بجانب سروال وزنار احمر .
برنيطة بجانب قبوعة .
غليون بجانب اركيلة .
روائح سوار دي باري مقابل زيوت هندية ...
مع اننا نحن امة ، خلقنا من صعيد واحد وتنفسنا نسيماً واحداً وعشنا في حرارة ورطوبة واحدة .
ولكن بعد آلاف السنين لم نزل شعوباً وقبائل مختلفة في برج بابل . هذا بطربوش احمر وذاك ببرنيطة سوداء والثالث يلبس عرقية والرابع عقالا .
يقول علماء النفس ان الازياء الخارجية ليست سوى مظاهر لعقلية الانسان ودرجة ثقافته وشعوره وطراز تفكيره . اذن ، فلا حاجة لدليل آخر ، على ان كل فرد منا هو امة قائمة بذاتها ، له مشاعر خاصة
وامزجة تختلف باختلاف المظهر الخارجي .
تباً لتلك العصور التي مرت علينا ولم تصهرنا في بوتقة واحدة ، وتخلق منا امة حية ذات مثل عليا ..
أين المثل العليا التي تشبك الارواح ببعضها وتنسج الافكار والاهداف بنسيج من لون واحد ، يمثل وحدة الامة ، ان المصائب التي صبت علينا ليست سوى نتيجة تلك النزعات المختلفة . فهل نعتبر بها ... هذه فلسطين التي بترها الجزارون من جسم الامة ..
ليعلم كل فرد منا ، ان في العالم معسكرين : معسكر غربي ومعسكر شرقي .
فالمعسكر الغربي ينظر الى الشرق باحتقار وازدراء ويوصمه بالهمجية والتوحش ..
وذلك نتيجة انتصار المدنية الاوروبية على المدنية الشرقية ، فاصبح الشرق موضوع السخرية للاوروبي الجبار ، يعيث بمقدراته كما يشاء ولم يعترف له حتى بحق الحياة .
فما هي الطريقة التي يجب ان نسلكها للخروج من هذه المآزق ؟
لدينا برهان عظيم للخلاص .
هذه الامة التركية التي كانت بالامس على شفار الهاوية . كانت شرقية النزعة ، غارقة بين امواج التعصب والجهل ، فحقد عليها الغرب المتمدن واخذ يقص منها كل يوم قطعة من جسمها ويطردها من القارة الاوروبية بعدما كانوا على ابواب فينا عاصمة النمسا ، فانتبهت الشبيبة التركية بعد ثلاثة قرون وادركت ان هناك رأياً عاماً اوروبياً جارفاً لا يطيق التعصب ويمقت الجهل . وهو الذي كان يحاربها سراً وعلانية ، فقام مصطفى كمال يمثل روح الشبيبة الناهضة وفتح لها طريق النجاة وقضى على روح التعصب وحطم القوانين البالية ، حيث كانت الاموات الواضعة لتلك القوانين تحكم الاحياء وهي عظام رميم في قبورها .. وفك الاغلال التي كانت مقيدة للعقول والافكار .
وحرر الادمغة وفسح لها مجال العمل والتفكير فاصبحت امة حية ، تبناها الغرب المتمدن ووضعها في مصاف الدول الراقية بعد تلك الثورة الفكرية ، وها هو اليوم يغدق عليها العطف والحنان وقد اغرقها بالمال والسلاح والاساطيل والجزاء لتصبح امة غنية حية ، قوية .
كان بالامس في تركيا ، ارمني ورومي وبلغاري وتركي اما اليوم فلا يوجد سوى تركي .
لان هناك قانوناً واحداً لا يميز بين الافراد .
فهل تخلق هذه الامة مصطفى كمالاً ليأخذ بيدها الى قمة المجد .
رحماك اللهم ! عجل لنا بهذا البطل لان الشعب بكامله ينتظر قدوم هذا المخلص .
لان العدو واقف على الابواب ونحن لم نزل نياماً .