إن عدداً كبيراً من الكتب والمجلات والمقالات يعلمنا كيف نكسب أصدقاء ، وكيف نؤثر عليهم ، وكيف نتحكم بعواطفنا حين الغضب أو الكره أو المحبة ، وكيف نربح أعصابنا ونحسن القيادة ونسوس الآخرين .
كل فرد في هذا الوجود شخصان : هو ونفسه الأخرى المؤثرة أبداً بما يليه عليها العقل الباطن - وقد تكون النفسان غريبتين إحداهما عن الأخرى حتى إن واحدتها تجهل أن الثانية في حيز الوجود . وفي الجزء الثاني منا هو العقل الباطن أو اللاواعي . إنه المخزن الذي يحوي أفكارنا وميولنا التي لا نريد أن نبينها حتى لأنفسنا . هذه الأفكار المتسللة التي لا نود الاعتراف بها بهذا القدر والتي نحاول نسيانها ومحوها من ذاكرتنا ، تترك وراءها آثاراً لا تمحى . وكلما ازددنا محاولة للتخلص منها ازدادت رسوخاً وثباتاً . فضغطنا على أفكارنا لا يزيلها بل يغوص إلى الأعماق .
لقد كان العالم النفساني Sigmund Freud أول من بحث واستقصى عن العقل اللاواعي وعرف ماهيته . وعلى أثر تلك المعرفة تعلم العلم أشياء عديدة عن هذه النفس الثانية لكل فرد وأثبت أن لعقلنا اللاواعي تأثيراً عظيماً إلى حد بعيد على تصرفنا . فأكثرنا يتصور أن أعمالنا الناتجة عن تفكيرنا وسداد آرائنا فقط : نجابه صعوبة ، نفكر بها ملياً ثم نبدأ العمل ونؤمن أن قرارنا بني على المنطق والعقل المفكر وحده . هذا صحيح أحياناً ولا جدل فيه ، إنما في أكثر الأحيان ، عقلنا اللاواعي هو الذي يسير قراراتنا لا مجرد التفكير وحده .
ومثال على الطريقة التي تبنى بها العاطفة في خزان العقل اللاواعي هو ما يبيحه الوالدون لصغارهم فيفرحهم ، وما
يمنعونه عنهم فيثير غضبهم وكراهيتهم . وبما أنهم تعلموا أن في إظهار هذه العواطف ضرراً وأذية للغير ، فقد حاولوا كتمانها بتسليمها إلى العقل اللاواعي حيث لا يراها ولا يجدها أحد . وهكذا نشأ وكنا يحمل في داخله مختلف العواطف التي حصلت بتضارب ما نريد مع ما يريده الآخرون : نحن والمحيط ، واجباتنا تجاه الغير ، طاعتنا للقوانين والأنظمة ، رعايتنا واحترامنا للشرائع الأخلاقية والنظم الاجتماعية .
علينا أن نذهب إلى المدرسة ونحن نفضل السباحة . وعلينا أن نحترم المدرسة رغم تمنينا لو صفعنا وجهها أحياناً . وعلينا دراسة الجبر والهندسة والكيمياء بينما نميل إلى الخياطة والتطريز . وفوق كل هذا علينا البقاء مسمرين فوق مقاعد الصفوف بينما تتوق نفوسنا إلى المشي والركض والحركة والتطلع من النوافذ ... نخرج بعد المدرسة إلى الحياة - إلى العمل - وهنا أيضاً نجابه نفس المشاكل ونفس التضارب بين آرائنا الخاصة والمحيط ... نواجه شخصاً بخصوص أمر في الساعة الحادية عشرة بينما تقتضي مواجهته في التاسعة صباحاً كيلا تتأخر الأمور . ونقوم بطلب من رئيس دائرتنا يتنافى كثيراً ومعتقدنا الشخصي ، بينما كان علينا أن نكافحه فنخفي انزعاجنا وراء ستار من الآداب والاحترام ، وهكذا تمر الأيام والعقل اللاواعي بين ثناياه ما كبت من ميول وما ضبط من رغبات .
وللوصول إلى العقل اللاواعي على المرء أن يؤمن بقوة عقله الباطن وأن
يتوق حقاً إلى السيطرة عليه ، وهذا ليس هيناً كما يظهر . ولكي يحفظ توازنه يقتضي أن يبتعد قليلاً عن نفسه وأن يتصور أنه شخص آخر ثم ينظر إلى نفسه بالعين المجردة يلاحظ أشياء وأشياء صغيرة ودقيقة تطوف بين ثنايا عقله الباطن فعليه تمييزها : الحسد ، الغيرة ، البغض ، الغضب ، الخيبة ، التحامل ، الثأر ، هذه الجراثيم المتسترة وراء تلك الثنايا . فإن لم يمكنه تمييزها فقد حصل أحد أمرين : أما أنه الشخص الكامل الوحيد فوق هذه الخضراء ، أو أن عينيه المجردتين قد لطختا بقذارة الكبرياء وحب الذات والغرور . وعندما يكتشف هذه الأمور في نفسه ليقم بعمل نافع تجاه ما اكتشف ، وهذا يمكن جداً بعد أن عرف استعدادات عقله الباطن . فحبه لإصلاح الخطأ ينير طريقه ويأخذ على عاتقه الاعتناء بالموقف .
وبعد أن يقطع الفرد هذه المراحل يصل إلى أعلى القمة ، لكن وقوفه هناك لأول مرة لن يطول لأن رياح العادة المتأصلة في نفسه تجرفه إلى الأرض ثانية . فعليه ألا يقلق بل يلمّ نفسه ويحاول الصعود ثانية . وبعد أن تثبت قدماه فوق القمة ، يكون قد أجرى اختباراً نفسياً له وزنه في حياته . وهذا لا يفهم عقله الباطن فحسب ، بل يصبح قادراً على أن يميز بوضوح القوة الكامنة وراء كل علاقة بشرية ، فيدرك آنذاك سبب فشله أو فشل الآخرين في بعض الأمور حيث يسير العقل الباطن عكس الخطة المرسومة .
إن صعود المرء تلك الدرجات هو أعظم ما يقوم به ، فهل هو مستعد لدفع الثمن الذي سيكلفه غالباً ولا شك ، نسبة للجهود التي سيبذلها لهذا الغرض ؟
والثمن الذي سيدفعه محصور في جملة واحدة :
- الاعتراف بما يراه بالعين المجردة -


