معه من هنا . ان اباه يوبخه دائماً ، واخاه اسعد يسخر منه ويعذبه ، اما هي فتحنه وتساعده . سيبتاع لها الشال بالدراهم التي يقتصدها في قجة صغيرة منذ اكثر من خمسة اشهر وهو يخبضها في كل مرة يضع فيها دراهم .
يصل الى البيت ، ويهيء كتبه واقلامه ليكتب فروضه . آه يذكر انه لقي اخيراً كتاب الحساب صدفة في الصباح ، وهذا عبء ثقيل قد ذهب عنه . فيذهب الى المكتبة ويفتش فيها ، لكنه لا يجد الكتاب . اين اختفى ؟ يحاول ان يتذكر بالتمام اين وجده في الصباح ..
وبحث في المكتبة وعلى الطاولة وفي الجارور ، لكنه لم يجد شيئاً ! فتألم ورجعت اليه الحيرة .. اين اين وضعه ؟ لماذا لم ينتبه اليه حين وجده ولم يضعه في مكان معين ؟
ورجع سمير ينظر الى الكتب للمرة الرابعة والخامسة واحداً واحداً . ها هو يشعر بدوار من كثرة البحث في الامكنة نفسها ، وبلاه اين هذا الكتاب ما العمل الآن ؟ سيذهب كما كان يفعل من قبل ، عند صديقه توفيق ويدرس في كتابه .
ظل سمير مدة يدرس في كتاب توفيق ، وكل يوم يبحث من جديد عن كتابه حتى مل وصمم النية على ان يطلب من ابيه دراهم ليشتري كتاباً ثانياً . طبعاً سيحتمل توبيخ ابيه المر وسيسمع الف سخرية من اخيه ، لكن لا بد من ذلك ، فليس في الامكان ان يكمل السنة وهو يدرس في كتاب توفيق ، والا سقط في الفحص . وعندما اقترب سمير من ابيه بخجل وخوف واخبره بما جرى حدث ما توقعه ، وبعدما انتهى ابوه من توبيخه ، قال :
- ستشتري كتابك بالدراهم التي تجمعها في قجتك ، لعل هذه الطريقة تجدي نفعاً معك وتصبح مرتباً .
خرج سمير من الغرفة وقد اثرت فيه هذه الصدمة ، واخوه اسعد يلاحقه بنكاته
وسخريته . وبكى طويلاً في غرفته : سيبتاع الكتاب من دراهم القجة ، هذا لا يهمه كثيراً ، كيف يتاح له بعد ذلك ان يبتاع الشال ؟ كيف ؟ وكتاب الحساب ليس سعره بالقليل . ان عيد امه يقع بعد غد وكان مصمماً ان يكسر القجة اليوم ليبتاع الشال !
جاء يوم عيد الماما وقدم لها كل من افراد العائلة هدية صغيرة كما يفعلون كل سنة . ففرحت بذلك كثيراً وشكرت كلاً بمفرده ، وحتى اديبة الخادمة قدمت لها مزهرية زجاجية جميلة . اما سمير فكان طول ذلك الوقت واقفاً بعيداً ينظر اليهم وقلبه ملؤه الحزن ومرارة الندم ، حتى قالت له امه :
- سمير ما بك ؟ الا تعايدني ؟
لم يقدر سمير ان يتحمل اكثر من ذلك ففاضت الدموع من عينيه واجهش بالبكاء وقال وهو يبكي :
- لقد ابتعت ... كتاب الحساب بدراهم .. القجة التي كانت للشال ..
لم تفهم امه شيئاً ما قاله ، وما كانت قد درت بما حصل لدراهم القجة لكنها ضمت سمير الى صدرها وقبلته حتى هدأ نحيبه . فافهمها ابوه ما جرى وأتم قوله :
- هذه امثولة كانت ضرورية له ولقد استحقها .
وقال اخوه اسعد :
- كان يجب عليك ان تقول «العدية» لتجد الكتاب حالاً .
لكن امه نظرت اليه مبتسمة مشجعة :
- اتريد ان تقدم لي هدية لعيدي ؟ هدية اثمن من كل الذي اهدوني اياه اليوم ؟
نظر اليها سمير من خلال دموعه :
- ما هي ؟
- اذهب الآن الى كل الاماكن التي تضع فيها كتبك ورتبها كلها . اجعل لكل شيء موضعاً ، وضع كل شيء في موضعه ، حتى اذا سئلت اين الكتاب الفلاني تقدر ان تقول بالتمام اين يوجد . ولا تنس ذلك الجارور وما فيه .
خجل سمير لذكر ذلك الجارور وبدأ بكل حماس شغله الجديد ، لكن امه الحنونة جاءت تساعده .
عندما انتهى من الترتيب سألته امه :
- الا يوجد مكان غير هذه الامكنة فيه كتب لك ؟
- اظن ... هناك اوراق ودفاتر قديمة على ظهر الخزانة .
احضرت اديبة سلماً صغيراً وصعد سمير الى ظهر الخزانة وبدأ ينزل الكتب لكنه توقف فجأة وشهق متعجباً :
- هذا هو ، هنا !
- ماذا ؟
- كتاب الحساب ! كيف ، بأي سر وصل الى هنا ؟

