نلاحظ انها تختلفان تماماً في المادة، فرسائل مدام دي سفينيه وضعت لتسلية ابنتها وإطرافها بحوادث البلاط في بيئتها البعيدة عن لهو باريس. اما رسائل «مي» فهي مجموعة احاديث ونصائح واختبارات ومعلومات ترفها الام الى فتاتها المتزوجة والمقيمة بعيداً عنها في بلاد المهجر وذلك ما يعطيها لوناً لبنانياً صحيحاً.
وبالرغم من اننا في شرقنا الحديث ننتظر ان تكون البنت اوسع علماً وتفكيراً من والدتها باعتبار التطور السريع الذي نجتازه في الوقت الحاضر رأت المؤلفة ان تكون هذه الرسائل صادرة من ام عصرية تزاول الدرس والمطالعة والكتابة وتجاري التطورات الحديثة وتقدم آراءها بلهجة نتبين فيها الصراحة والاخلاص.
والكتاب - كما يظهر - نتيجة مجهود طويل بذلته صاحبته في المطالعة وجمع المعلومات من مصادرها المختلفة بين قديمة وحديثة. فالاقتباسات والشواهد والامثال كثيرة من كتب غربية وعربية لمفكرين معروفين، والى جانب ذلك آراء المؤلفة وتفكيرها الشخصي في مواضيع اجتماعية كالغيرة والطمع والخدم والرقص والمقامرة والازياء والحداد والعوانس. ومواضيع فلسفية كالموت والامل والعقل والحظ والشيخوخة والعدل والحقيقة وسر الوجود.
وهناك مزيج من الآراء بعضها عصري مفرق في عصريته، كنصحها بالثورة على التقاليد التي لا فائدة منها كالحداد، وقولها بضرورة التطور وعدم الجمود وتعديل القوانين المدنية المتعلقة بالمرأة ومساواتها بالرجل في الحقوق وتحييد
اصلاحات تقدمية متعلقة بالزواج والثقافة الجنسية.
وهناك آراء فلسفية غريبة كعقيدة التقمص القائلة بان الارواح تمر من جسد الى آخر وان الناس موزعون في الاجرام السماوية حسب استحقاقهم، فالابرار في ابراج منيرة عظيمة الاشعاع وقد بلغوا فيها درجة من التطور تقربهم من الآلهة، والاشرار في اجرام مظلمة وغيرهم يبرون في ادوار التطهير التي تسبق انتقالهم الى الكواكب العليا. والمرحلة الاخيرة في التطور هي الاتحاد بالله على طريقة الصوفيين..
وهناك ايضاً معلومات فلكية وآراء سيكولوجية في دقة الاحساس اوما نسميه حديث القلب، وتفاهم النفوس عن بعد واحلام الليل واحلام اليقظة، ومنفعة الحسد واضراره ومن ذلك قولها
«ولو لم يكن هنالك حاسد ومحسود لاصاب العالم الجمود والتقهقر. ان الضدين الخير والشر اخوان يمشيان دائماً معاً.»
وفي الكتاب ملاحظات تثير الفكر وفيه حض على الفضيلة والاعتدال وطاعة الله وتعظيم العقل لانه اعظم قوة في الوجود وهو مع ذلك لا يخلو من مجاراة لبعض العقائد القديمة مثلاً في مسألة وفاء النذور في حين ان بعض مواضيعه الكثيرة لم تدرس درساً كافياً بل اكتفت منها الكاتبة بالتعميمات الجارفة او بترديد اقوال معروفة لم تثبت صحتها.
لكنه رغم هذا جدير بالاهتمام لما يرينا من نشاط مؤلفته وطموحها ورغبتها الصادقة في البحث واكتساب المعرفة ثم نشرها في بنات جنسها.
روز غريب
