
ان الآداب والثقافة القديمة من شعر وقصص وفلسفة وفنون هي المورد الاول للثروة الفكرية التي عرفها الانسان في شتى ادوار التاريخ، وهي المنبع الذي استقت منه الحضارة الحديثة اصول فلسفتها وآدابها وفنونها. فالامم الحديثة التي تحمل قبساً من الحضارة والمدنية والتي من احضانها بزغت انوار الثقافة والرقي كانت ولا تزال تستقي من آدابها ذلك النور وتلك السعادة. فالآداب القديمة والحديثة ان هي الا ينابيع عذبة متدفقة ومناهل منعشة يرتادها الصادي المقصر، فاذا اخذنا الفلسفة العربية مثلاً نرى انها مشيدة على اسس واقوال نطق بها شيوخ العقل العربي قبلاً كزهير وطرفة والمتنبي وابن المقفع والجاحظ وغيرهم. للفلسفة العربية مصدر رئيسي ومرجع اعلى هو القرآن الكريم، فهذا القرآن بما حواه من آيات مبدعة وامثال شائعة واقوال حكيمة كان حجر الزاوية للفلسفة العربية والثقافة العربية قديماً كان ام حديثاً. وبما ان الامم بأجمعها تتأثر بثقافتها وفلسفتها فهي ايضاً تتأثر على مدى اوسع بآدابها وعلومها لان هذه الفلسفة وتلك الثقافة ان هي الا رافد من روافد الآداب والعلوم.
كلنا يسمع بفولتير وجان جاك روسو وغيرهم من الادباء الفرنسيين وما كان لآدابهم من الاثر في الدولة الفرنسية عندما كانت فرنسا تحت نير ملكها لويس السادس عشر منبراً للطمع والاستبداد ومسرحاً مثلت عليه انواع الوحشية والظلم والقساوة، عندما اضحى الفقير منسياً وعندما هبت طبقتا الاشراف والاكليروس فنهشتا حقوقه بانياب حادة مسنونة واللورد بيرون وما كان لادبه من التأثير في قلوب الاوروبية في سبيل استقلال اليونان الحديثة.. من اولى من الاديب قائد امته وموجهها الى الخير والمستودع الاكمل

لفضائل دم الاباء والجدود باظهار محاسن الارض المجبولة بعرق هؤلاء الجدود والآباء والحث على التمسك بتراث هذه الثروة العقارية التي تجمع العائلة وتعمل الوطن.

في القرن الاخير للعهد القديم استدعى اغسطس الشاعر فرجيل وقال له: «لقد استهوت حياة المدن الرومانيين فانصرفوا عن الارض الى اللهو والعبث فاكتب قصيدة انشد فيها فضائل الارض الرومانية فعودة شعبي الى المحراث والمعول في ذمتك يا فرجيل» فهذه الكلمات التي لم يقل اديب ابلغ منها، افصح دليل على عظم التبعة الملقاة على ضمير من في فمه كلمة وفي يده قلم. هي افصح دليل على مدى تأثير الآداب في الامم والشعوب هذه الكلمات تبين لنا مدى اهمية الرسالة الملقاة على عاتق الادب نحو الامة.
ان اقصى ما نتمناه هو ان يقوم فينا
ادباء مستقيمون يتغذون من تلك الحيوية الدائمة التجدد الصادرة عن الطبيعة وان نخرج بالادب قليلاً الى الهواء الطلق ليستقيم من تلقائه في مرتبته الطبيعية فيؤدي رسالته المنشودة.
اننا اذا القينا نظرة على الثقافة العربية القديمة وجدناها تفيض علماً وادباً وفلسفة وفناً فالفت ثروة عقلية روحية ادبية لا يستغني عنها من كان مثلنا من الامم فقامت دعوات وصرخات خرجت من جوانب العالم العربي وتجاوبت اصداؤها في سمائه لحفظ الثقافة والآداب العربية واحيائها ففي كل وقت نرى الامم المتمدنة احرص ما تكون على تاريخها الماضي وثقافتها الغابرة وآدابها القديمة منها الحديثة، فان نظرة واحدة الى ما تبذله هذه من الجهود المادية والعلمية وغيرها لكافية بان تبعث فينا ولو قبساً ضئيلاً لما لهذه الثقافة والآداب من اهمية واثر.
فسياستنا اليوم في البلاد العربية هي تكوين الوحدة الوطنية وغرس القومية في نفوس الشبيبة الناهضة، سياستنا تربية الخلق والرجولة وذلك لا يتم الا بواسطة المناهج العلمية والكتب الادبية وكل ما يسودنا من جو علمي وادبي يرمي الى الاعتزاز بالشخصية القومية والمجد القومي حقاً ان في التراث العربي الثقافي والادبي لكنوزاً خليقة بان تبعث ولمآثر حرية بان تحيا. ان هذا التقدير البالغ الذي اظهره ويظهره الغرب لآدابنا وتراثنا القديم وهذا الحرص الشديد عليه والسعي الحثيث وراءه يجب ان ينبهنا لما لهذا وتلك من الاهمية والاثر في بناء كياننا واعلاء شأننا وتوحيد وطننا فنجعل من الامة امة حية قد تشربت عصارة ماضيها وتقبلت وحي تاريخها وآدابها وادركت كنه حاضرها
( البقية على الصفحة ٤٠ )