« ان الكتب وحدها من الامور الضرورية للحياة وكل شيء سواها من الكماليات » ويخبرنا التاريخ ان كل الذين نبغوا في اكثر الامور هم من القراء في الدرجة الاولى ، واولهم نابليون ، لقد شكا مرة الى ناظر الحبس في جزيرة القديسة هيلانه قائلاً : « ان القراءة ضرورية لغذاء عقلي كضرورة الطعام لغذاء جسدي » ومن المؤكد ان الذي يقرأ كثيراً يتكلم بسهولة وفصاحة بالفتين .
كم بين الذين يذهبون الى السينما من لا يهتمون بسوى اسماء الممثلين والممثلات وجمالهم والبستهم ، ويرددون ابداً اقوالهم ولكنهم لا يهتمون باسم مؤلف الرواية ، ولماذا كتبها ، وماذا يقصد بها ، وما هي الفكرة التي يريد نشرها في الناس والامثلة التي يريد ان يعتبر بها النظارة . اما انت فيجب ان تتذوقي معاني الكاتب وتتفهمي مقاصده . ومثل هذه القراءة الدقيقة تنبه افكارك الى معرفة حقائق امور الحياة بطريقة جدية حسية ، ولاحظي نفسك جيداً فتجدي ان الشعور والاحساسات الغريزية تلهمك وتطلب منك بالحاح ان تصغي اليها وتطيعيها لان الشعور يحتك بالعقل فيتولد التمييز ، ومن التمييز يتولد الفهم ، ومن الفهم تتولد المعرفة وعندئذ تحكمين على شعورك سواء اكانت النتائج التي استخلصتها خيراً لك ام شراً وتنفذين الحكم فوراً . لذلك قال الفيلسوف بيرغسن « ان الغريزة عند الانسان تضحي امام الفهم » .
وكم من غريزة طيبة تذهب ضحية الفهم ذلك لان الانسان يخجل احياناً من ان يظهر رغائبه خوفاً من ان يقرأ الناس به . فانا اوصيك الا ترفضي اية فكرة تخلق عندك او تبقيها مطمورة في مطاوي
ضميرك ، لانك تظنين نفسك قاصرة عن اظارها فلا تشعرين انت بفائدتها كما لا يشعر بهذه الفائدة احد غيرك . بل يجب ان تصغي الى الصوت الذي يناديك من داخل اعماقك كي تفحصي فكرتك من جميع وجوهها ، وتدققي فيها جيداً ، كانك عثرت على جوهرة ثمينة ، وبعدئذ ضعيها امامك على بساط النور والحقيقة وحرريها من جميع القيود ، فان كان الجيد منها يفوق السخيف فلا تتقاعسي عن ابرازها الى حيز الوجود . فالطبيب الجراح يفحص المريض مراراً ويصور موضع الالم ويدعو فريقاً من الاطباء ليأخذ رأيهم قبل الاقدام على اجراء العملية ثم يأخذ مبضعه ويبدأ العمل .
اريد ان اطلعك على كيفية نشوء الفكرة عند الانسان . لا شك في انك شعرت يوماً بشوق وميل الى معرفة مهنة الحياكة ولكنك ابعدت عنك هذه الفكرة خوفاً ان تصبحي خياطة . لقد كان عليك بدلا من ان ترفضي هذه الفكرة ، ان تفحصيها جيداً وان تمعني فيها النظر وتزني قوتك والفائدة التي تنتج من مهنة الحياكة فاذا رأيت انها تفيدك ولو في خياطة اثوابك وافراد اسرتك فقط كانت كافية ان تكون فكرة حسنة وان تحكمي على نفسك الحكم الاخير .
واذا شعرت بميل الى الكتابة فلا
تقولي انا لا اعرف ان اكتب وليس مطلوباً مني ان اصير كاتبة ، بل ادرسي جيداً هذا الميل وضعيه على بساط البحث وتشجعي واجري التجربة ، فاما ان ينمو هذا الميل واما ان يتلاشى ، فلا يبقى ثمة مجال بعدئذ كي تلومي نفسك وتشعري بالندم . واذا شعرت بميل الى الغناء او الموسيقى او الى التصوير فجري ان تتعلمي الفن الذي تميلين اليه وتذوقين معناه ، ودققي ابداً في كل شيء فهو ما يساعدك على معرفة اسرار الحياة وكنهها . ولا بأس ان اذكر لك ايضاً انه اذا شعرت يوماً بميل الى شيء قد يغضب زوجك فبدلا من ان تعمدي فوراً الى تحقيق بغيتك ادرسي ما قد ينتج من جراء ذلك وما يحل بك اذا عقبه الندم الشديد ، واية مصيبة تنزل بعيلتك وبيئتك ، وماذا تخسرين من الصيت الحسن الذي لا يعوض وبعد ان تعرضي في مخيلتك كل هذه الامور فاما ان تقاومي ما نشأ فيك من ميل وتمنعي نفسك من السعي لبلوغه او ان تصري على تنفيذ فكرتك وتكوني على الاقل قد اقدمت على هذا العمل عن معرفة فلا تلومين فيما بعد سوى نفسك .
وتخبريني انك تفضلين ان تقرأي كتباً عربية من تأليف الكتاب النابهين التي تظهر في بلادنا . انها لعاطفة وطنية شريفة ولكني اخجل ان اقول لك ان الكتاب مهمل كثيراً في بلادنا وما ذلك