عرف في المجتمعات باسم « سينول الجبل » اما اسمه الحقيقي فكان الفيكونت كونغرام جوزيف دي سينول . كان يتيماً ... وكان غنياً واسع الثراء وكان له مظهر جذاب ... فهو شاب مرح اسمر الوجه ، دقيق التقاطيع ، حلو الملامح تبدو عليه امارات النبل والكبرياء ، فلا عجب ان كان مرآه يوحي بالثقة في القلوب حين تقع عليه عيون النساء .
اشتهر بمهارته بالمبارزة بالسيف وكان قلما يخطئ في استعمال المسدس فقال ذات مرة :
- اذا كان لا مفر لي من الاشتراك في مبارزة فانني لا اتردد في اختيار المسدس ليكون سلاحي اذ انني على يقين انني بهذا السلاح سأتغلب على خصمي .
وذات مساء اصطحب سيدتين من صديقاته مع زوجيها الى المسرح فلما انتهت التمثيلية عرض على الجميع ان يتناولوا البوظة في محل « تورنوني » ولاحظ سينول بعد عشر دقائق من جلوسهم في المطعم ان رجلاً يجلس على مقربة منهم يرمق احدى السيدتين بنظرات حادة ، وقد بدا عليها الانفعال والارتباك ونكست بصرها واخيراً قالت لزوجها :
- ان هذا الرجل ينظر الي نظرات مغرضة وانا لا اعرفه فهل تعرفه انت ؟ .
فنظر الزوج الذي لم يلاحظ شيئاً ما كان يدور وهو يقول :
- كلا .. ليست لي معرفة به .
فاجابت السيدة وهي بين الضحك والغضب :
- ان هذا الامر مزعج . ان ذلك الشخص قد افسد علي طعم البوظة .
فهز الزوج كتفيه في عدم اكتراث قائلاً :
- لا تكترثي به اذ كان علينا ان نلتفت الى الاشخاص السخفاء الذين نلتقي بهم وجدنا لذلك متسعاً من الوقت .
ولكن الفيكونت ترك مقعده في عنف . انه لا يستطيع ان يسمح الى هذا الرجل الوقح ان يفسد تناول طبق البوظة الذي قدمه الى ضيوفه . ولما كان هو الذي دعا اصدقاءه الى المقهى فقبلوا دعوته فقد اعتبر ان الاهانة موجهة اليه .
وتقدم من الرجل وقال له :
- سيدي ... انك تطيل النظرات الى السيدتين بشكل لا يحتمل فانني اطلب منك ان لا تتطفل عليها بنظراتك الوقحة .
واجاب الآخر :
- اذن انت تأمرني ان اتجنب التعرض لك ؟
واصر الفيكونت على اسنانه واجاب :
- سيدي ... خذ حذرك والا اجبرتني ان افقد السيطرة على اعصابي !
وكان جواب الغريب كلمة واحدة . كلمة بذيئة رنت في ارجاء المقهى فالتفت الجالسون حتى اولئك الذين كانوا جالسين في الصفوف الامامية استداروا ليروا ما حدث واشرأبت الاعناق مستطلعة مستفهمة ودار ثلاثة من الخدم على اعقابهم ، وتلا ذلك صمت رهيب ، ثم صوت حاد يمزق
السكون .. فقد صفع الفيكونت خصمه ووقف الجميع يتوسطون في الامر ... وتبادل الرجلان بطاقتي اسميهما .
وعندما عاد الفيكونت الى منزله ودلف الى غرفته راح يذرع الغرفة بخطوات مضطربة قلقة حائرة عدة دقائق .
كان في حالة من الغضب والاضطراب، حالة شلت تفكيره. فكرة واحدة استولت على تفكيره « مبارزة » ومع ذلك فان هذه الفكرة لم تحرك فيه أي عاطفة . لقد فعل ما كان عليه فعله ... وقد ظهر بالمظهر الذي كان يجب ان يظهره ان الناس سيتحدثون عنه في هذا الامر، سيؤيدونه وسيهنئونه .
وجعل يردد في صوت عال وقد احتدم غيظاً وغضباً :
- يا له من وحش !
ثم جلس وبدأ يفكر .. يجب عليه ان يبحث على شاهدين . ولكن من سيختار ؟ واخذ يستعرض اسماء اشخاص اصدقائه الحميمين الذي اصطفاهم في هذه الفترة من حياته ، واخيراً وقع اختياره على المركيز دي لاتور نوار والكولونيل بوردان . ان اسميهما سينتشران على صفحات المجلات وتحدث ضجة كبيرة .
وشعر بالعطش فشرب ثلاثة اكواب من الماء ثم بدأ يذرع الغرفة من جديد . آه لو بدا اكثر شجاعة واشد تصميماً لاوقع الذعر في قلب خصمه واجبره على الانسحاب من المبارزة بعد ان يقدم له الاعتذار .
وتناول البطاقة التي اخذها من جيبه والقى بها على الطاولة ... وقرأها مرة اخرى بعد ان القى عليها نظرة خاطفة وهو في المقهى وعلى ضوء مصباح غازي



