
بينما كان في طريق عودته الى المنزل في التاكسي « جورج لاميل ٥١ شارع مونسي » .
هذا هو كل ما في البطاقة ! واخذ يفحص مجموعة الحروف التي يتكون منها الاسم فبدت له غامضة مبهمة ...
جورج لاميل ! من يكون هذا الرجل ؟ ولماذا كان يتطلع الى السيدة بهذا الاسلوب ؟ الا يشعر المرء بثورة غضب عندما يقتحم رجل غريب مجرى حياته فيقلبها رأساً على عقب من اجل رجل وقح يلتهم السيدات بنظراته الحادة المغرضة .
فعاد الفيكونت يكرر جملته قائلاً :
- يا له من وحش !ثم وقف ساكناً في مكانه لا يبدي حركة يفكر .. ويفكر وقد استقرت عيناه على البطاقة . واحس بغيظ يحتدم في قلبه كأن مبعثه تلك القصاصة من الورق .. غيظ ممزوج بحقد وألم مريرين . وتناول مطواة وقذف بهذا البطاقة فمزقتها شاطرة اسم خصمه المطبوع في منتصفها كما لو كان يبارز شخصاً .
واذن ، فعليه ان يبارز ! هل يختار السيف او المسدس ؟ ان استعمال السيف اقل خطراً ... ان مبارزات السيف قلما تنتهي بالوفاة لان المتخاصمين يتبارزان بعد ان تفصلهما عن بعضها مسافة كبيرة تجعل الطعنات غير مميتة .
- يجب ان اكون حازماً ثابتاً . ان ذلك سيلقي الرعب في قلب خصمي .وافزعه نبرة صوته فالتفت حوله . كان في حالة من الانفعال لا مزيد عليها فشرب كوباً آخر من الماء ، ثم بدأ يخلع ثيابه استعداداً للنوم حتى اذا انتهى اطفأ النور واغمض عينيه .
- ان امامي الغد بكامله لكي اصفي اموري . اما الآن فيجب علي أن آوي الى فراشي لاحتفظ بهدوئي .وشعر بالدفء التام وهو يتقلب في فراشه ولكنه
لم يعرف طعماً للنوم وشعر بظمأ فنهض من فراشه وشرب . وقفز الى رأسه سؤال غريب :
- هل من المحتمل ان اكون خائفاً ؟ لماذا يضرب قلبي بشدة كلما تناهى الى سمعي اي حركة في الغرفة ؟وبدأ يزن الامور بينه وبين نفسه .
- من انا خائف ؟كلا بالتأكيد ... انه لا يخاف مادام قد صمم على المضي في الشوط حتى النهاية ، وما دام قد عزم على القتال بغير تردد أو تأنيب ضمير .
ولكنه وجد نفسه مضطرباً اضطراباً كبيراً حتى جعل يسأل نفسه :
- هل يمكن ان اكون خائفاً على الرغم مني ؟واستولت عليه فكرة مفاجئة فنهض الى المرآة لينظر وجهه فيها ... واضاء الشمعة ولما انعكست صورته على سطح المرآة لم يميز نفسه وخيل اليه انه يرى رجلاً لا يعرفه من قبل . كانت عيناه متسعتين .. وجهه قد كساه الشحوب ثم اخرج لسانه كأنه يريد امتحان حالته وفجأة طرأ عليه فكرة جديدة :
- في مثل هذا الوقت من اليوم التالي سيكون من عداد الاموات ،وتلفت حوله .. فرأى نفسه راقداً على الفراش وهو في ثياب الخروج وعلى وجهه بدت امارات الموت : واستولى عليه فزع من فراشه .. ولكي يتجنب رؤية ذلك المنظر مضى الى غرفة التدخين . وتناول لفافة من التبغ واشعلها ثم بدأ يسير في الغرفة وكان يرتجف من شدة البرد فاتجه ناحية الجرس ليوقظ خادمه ولكن يده بقيت قابضة على الحبل دون ان تحركه .
- ان خادمي سيلاحظ اني خائف .فأشعل لنفسه ناراً وكانت يداه ترتجفان كلما اصطدمتا بحاجة من حاجاته ، وبدأ رأسه يدور وافكاره تضطرب وتختلط كأنه قد افرط في الشراب :
كان جسده كله يرتجف فنهض من مكانه واسدل ستائر النافذة. ويزغ الفجر وكان فجر يوم صيف .. وانعكس اللون الاحمر على سطوح المنازل وجدرانها . وتسلل شعاع من نور الى غرفته فاحيا في قلب الفيكونت موات الامل ؟ .
- يا له من غبي .. حينما ترك الخوف يستولي عليه قبل وقوع اي شيء .. قبل ان يتقابل شاهداه مع شاهدي جورج لاميل ؟ ... وقبل ان يعلم هل سيمضي في مبارزته ام لا .فنهض وارتدى ثيابه وغادر المنزل في خطوات ثابتة وهو لا يفتأ يردد قائلا:
- يجب ان ابدو حازماً ثابتاً حتى لا ابدو في مظهر الخائف .ووضع الشاهدان ، المركيز والكولونيل ، نفسيهما تحت امرته وبعد ان تبادلوا التحية اخذوا يتبادلون بعض الامور ويتناقشون . قال الكولونيل :
- هل ترغب ان تكون المبارزة جدية ؟قال الفيكونت في صوت جاف متهدج .
- عشرون خطوة ... وعند رفع الذراع ، بل خفضها يبدأ في تبادل اطلاق النار حتى يصاب احدهما بجرح بليغ ...فقال الكولونيل :
- هذه شروط حسنة فانت ماهر في استعمال المسدس والفرص كلها في صالحك .فافترقوا ... وعاد الفيكونت الى منزله لينتظرهما ، وما كاد يفارقه اضطرابه