كان في قديم الزمان ملك له ثلاث بنات . فلما كبر وشاخ حار في أيهن يختار لتخلفه على العرش وينادى بها ملكة من بعده ، فدعاهن إليه وقال لهن : أني أوصي بالملك لمن تحبني منكن أكثر من أختيها .
قالت الكبرى : أنت عندي أغلى من الذهب يا أبي . وقبلت يده .
وقالت الوسطى : أنت عندي أغلى من الحجارة الكريمة يا أبي ، وقبلت خده .
أما الصغرى واسمها ماريا فقالت : أنت عندي أغلى من الملح يا أبي .
وعند ذلك انفجرت الإختان بالضحك أما الملك فلما سمع كلام ماريا غضب غضباً شديداً وانتهرها قائلاً :
- أخرجي من قصري وأغربي عن وجهي إلى الأبد . وعندما يأتي اليوم الذي يفضل فيه الناس الملح على الذهب والحجارة الكريمة يمكنك أن تعودي .
فخرجت الفتاة من القصر ودموعها الحارة تتدحرج على خديها وظلت ماريا تسير على غير هدى وهي تبتعد ، وتبتعد وتبتعد ، عن قصر أبيها حتى وصلت إلى غابة ملتفة كبيرة لا تدري كيف بلغتها وهناك رأت عجوزاً جالسة على جذع شجرة فالقت عليها الفتاة السلام فسألتها العجوز :
- ما لك حزينة باكية يا ابنتي ؟
فقصت عليها ماريا ما جرى لها مع والدها وأختيها وكيف أصبحت تائهة في الأرض لا أهل لها ولا معين . وعند ذلك قالت لها العجوز :
تعالي معي وأرعي غنمي ، وسأعلمك الغزل وحياكة الصوف ، ولا تخافي شيئاً .
كانت تلك العجوز جنية تسيطر على
كنوز الأرض . مرت الأيام والشهور . أما في قصر الملك فقد كانت الإختان تقيان الولائم والأعياد ، وترقصان وتلبسان أفخم الثياب وتتزينان بأغلى الجواهر والحجارة الكريمة . ولم يلبث الملك أن أدرك أن الذهب والحلى كانت في نظر أبنتيه أغلى من أبيهما .
فحزن لذلك حزناً كبيراً وأخذ يفكر في ماريا .
وعند ذلك بدأت العجوز تستعمل قوتها العجيبة .
ففي يوم من الأيام جاء طاهي القصر وقبل الأرض بين يدي الملك وقال له وهو يرتجف :
- يا مولاي إن كل ما في القصر من ملح قد ذاب وسال كالماء ، ولم يبق في البلاد كلها حبة ملح . فبماذا تأمر يا صاحب الجلالة ؟
فقال الملك وهو شديد الانفعال :
- ما علينا إلا أن نأكل الحلوى .
وأصبح الطعام يصنع بالسكر يوماً بعد يوم . ولم يلبث أن فقد الناس شهيتهم للأكل والشرب . وحزن أهل المملكة وأصبحوا أشقى أهل الأرض جميعاً . وانتشرت الأمراض . وعند ذلك عرف الملك أنه ظلم ماريا وندم على طرده إياها من القصر .
أما الفتاة فلم تكن تعلم شيئاً من ذلك . وذات يوم قالت لها العجوز ، في بيتها
الصغير في وسط الغابة :
- ماريا . لقد حان الوقت لتعودي إلى قصر أبيك .
- ولكن أبي حرم علي دخول القصر ورؤية وجهه .
وعند ذلك أخبرتها العجوز بكل ما حدث ، ثم أعطتها كيساً صغيراً مليء بالملح ، وعصا وقالت لها :
- عندما يهب الهواء من الجنوب ، امشي ضده ، واقطعي ثلاث تلال وثلاثة أودية . ثم اضربي الأرض بعصاك فتفتح الأرض أمامك حالاً ، وما تجدينه خذيه ، فهو هدية عرسك .
فشكرت ماريا العجوز بحرارة ووعدتها بأن تعود لتأخذها معها إلى قصر أبيها . فلم تقبل العجوز بل قالت للفتاة :
- كوني دائماً كما أنت طيبة محبة للناس لتكوني سعيدة في الحياة .
ثم اختفت العجوز ولم ترها الفتاة قط بعد ذلك .
كانت ماريا تلبس ثياب الفقراء ، فأسرعت إلى قصر أبيها ، لكن الحراس منعوها من دخول القصر عندما نظروا إلى ثيابها ، وقالوا لها أن الملك مريض . غير أن ماريا توسلت إلى الحراس وقالت :
- أرجو أن تسمحوا لي بالدخول لأني أحمل إلى الملك هدية أغلى من الذهب ومن الجواهر .
وأخيراً سمحوا لها فدخلت وأنحنت على رأس والدها المريض ، فلم يعرفها ، فقالت له :
- إني أحمل إليك هدية من الملح يا مولاي .
فصاح الملك :


