ان المدارس هي السبيل لتغذية العقول وانارة الاذهان ولا سيما اذا كانت وطنية تنشئ في الصغار روحاً وطنية ونفساً عزيزة وتربّي فيهم روح الاعتماد على النفس.
وعليه ارى بهذه المناسبة، الاشارة الى الكلية الاهلية المعروفة باسم « مدرسة ماري كساب » اذ انها هي مؤسستها وزارعة بزرتها الصالحة، التي نمت واصبحت شجرة باسقة ازهرت واثمرت.
من العدل والانصاف، تنويراً لاذهان الناشئة الحديثة ان اذكر لمحة صغيرة عن تاريخ هذا المعهد الوطني ومنشئته السيدة ماري كساب. في ايام الحرب الكونية الاولى بينما الناس في ارتباك من جائع ومريض وخائف وقد أقفلت المدارس، وكلها اجنبية، واخذ الاولاد يطوفون في الشوارع مهملين، حرّك الله قلب الآنسة ماري كساب (وهي كريمة المغفور له الاستاذ سليم كساب المشهور في عالم الادب) فاقدمت بما فيها من همة ونشاط وشفقة وجمعتهم في غرفة في بيتها ولم يكن يزيد عددهم على السنة واخذت تعلمهم، منجذبين اليها بجاذب اللطف والمحبة.
وكان احتفال المدرسة الاول في حزيران سنة ١٩١٨ بمثابة اعلان كبير لها، نظراً لما شهده الاهلون وما سمعوه من التلاميذ وما قام في نفوسهم من الشعور الوطني وقد تحققوا انه بوسع الفتاة في الشرق ان تنشئ مدرسة منظمة مستكملة.
وقد تمكنت من تأليف لجنة استشارية واخذت هذه اللجنة تسعى للحصول على دار اوسع وافضل كيما تتمكن من قبول عدد اكبر من الطالبات وبينما هي ساعية لذلك اذا بجيوش الحلفاء تحتل البلاد وتصل الى بيروت لجنة المدارس السورية
الانكليزية. فلما بلغها خبر المدرسة السورية الاستعدادية وما قامت به من الخدمة التعليمية على حداثتها، سمحت لمديرتها ان تستعمل بناية مدرسة البنات الانكليزية الحالية فقبلت المديرة تقدمتها بالشكر. وتمكنت المدرسة عامئذ من قبول مئة واربعين تلميذاً من الجنسين.

« ماري كساب »
وفي صيف سنة ١٩١٩ رأت مدرسة البنات الانكليزية ان تسترجع بنايتها فاضطرت الاهلية ان تستأجر البناء الذي تسكنه في وادي ابي جميل.
ووفقاً لسوء الظن من التسمية التي اتخذتها المدرسة قبل تجزئة البلاد السورية رأت عمدتها ان تقتصر على تسميتها « مدرسة البنات الاهلية ».
وهكذا سارت المدرسة شوطاً الى الامام ورائدها خدمة الوطن واعلاء شأنه بتهذيب صغاره واعدادهم لخدمة الوطن. واخذت المدرسة في السنة الرابعة تنتعش بما توارد عليها من التبرعات من مصادر مختلفة.
شعرت مديرتها بوجوب تشكيل لجنة ادارية مختلطة تراعى في تشكيلها روح الوطنية الجامعة.
وهكذا تم تشكيل اللجنة الاولى من مريدي المدرسة ومجدي خطتها مع اختلاف مذاهبهم الدينية وجعلت وظيفتها التولي على املاك المدرسة ومقتنياتها وما يختص بها بالكيفية التي تعود بالفائدة العظمى على المدرسة وتوسيع نطاقها.
وفي غضون ذلك كانت البعثة الاسكتلاندية قد عرضت البناية التي تقيم فيها المدرسة الاهلية للبيع فرأت اللجنة الادارية ان تعدّل قانونها على صورة تخوّلها حق التملك كشخص معنوي كلي تتمكن من مشترى البناية المذكورة وان تسعى لجمع المال اللازم لذلك.
وهكذا تم لها بما تبرعت به لجنة الامناء، من تسديد القسط المطلوب دفعه واتفقت مع البعثة المذكورة ان تقوم بدفع الباقي اقساطاً سنوية. واصبح همها الاكبر بعد ذلك ان تسعى لوفاء الديون التي تراكمت عليها من جراء مشترى البناية والمنشآت الجديدة التي اضافتها عليها يومئذ.
وعليه اوفدت وفودها الى مصر والبرازيل والولايات المتحدة لانهاض همة افاضل الجالية اللبنانية والسورية لعضد هذا المشروع الوطني التهذيبي حفظاً لكيانه.
فلاقت هذه الوفود من ابناء الجالية