برهة حتى عاد فتجدد . كانت اطرافه ترتجف . لم يكن يصبر على السكون . وجف ريقه وتصلبت نظراته .. واحب ان يتناول الطعام ولكنه لم يستطع وانبعثت في ذهنه فكرة احتساء الخمر فانها تبعث فيه الشجاعة وقال يحدث نفسه :
ـ لقد وجدت العلاج .. ان الامور ستجري كما ابتغي .. وعاوده اضطرابه واحس برغبة جنونية في الارتماء على الارض وفي الصياح وفي العض .
وارخى الليل سدوله .. وكان لصوت رنين الجرس ان احس بانه لا يملك قوته الكاملة للنهوض لاستقبال شاهديه وعجز ان يلقى عليها التحية .. او حتى النطق بحرف واحد لئلا يكشفا اضطراب صوته وقال الكولونيل :
ـ ان الامور قد اعدت كما تريد فقد ادعى خصمك انه يستمتع بكل الامتيازات التي يملكها المعتدى عليه ولكنه اخيراً رضخ لشروطك وقبلها اما شاهداه فيها من رجال الجيش . قال الفيكونت :
ـ شكراً ...
فاردف المركيز قائلاً :
ـ يجب ان نبحث عن طبيب مادامت المبارزة لن تنتهي الا اذا سقط احدكما .. ومكان يقع بقرب منزل حيث ننقل الجريح اذا اقتضى الامر .
فسأل الكولونيل الفيكونت قائلاً :
ـ هل تشعر بالهدوء ؟
ـ اجل .. شكراً لك .
وانسحب الرجلان . وعندما انفرد بنفسه مرة ثانية احس نفسه كأنه اصيب
بالجنون .. كان خادمه قد اشعل المصابيح فجلس الفيكونت الى المنضدة لكتابة بعض الرسائل . ولما خط قلمه من أعلى الرسالة « هذه هي وصيتي » قفز من مقعده منتفضاً بعد ان شعر بعجزه عن تكوين اية فكرة او عمل اي شيء ..
اذن فسوف يقاتل .. لن يستطيع ان يتفادى خوض المعركة . انه يريد ان يقاتل فقد كان هذا هو قراره ومبتغاه ، ولكن رغم هذا كله فقد شعر ان قواه قد خارت وانه عاجز عن السير او الوقوف في ساحة المبارزة . وبين الفينة والفينة كانت اسنانه تصطكان بصوت مسموع وحاول ان يقرأ ... فتناول كتاب شاتو فيلارد في اصول المبارزة وقوانينها . وكان يسأل نفسه قائلاً :
ـ هل خصمي مبارز ماهر ؟ هل هو معروف ؟ كيف لي ان اعرف ذلك ؟ وتذكر فجأة كتاب فو عن اشهر المبارزين فقام لتوه الى مكتبته وتناول الكتاب وتصفحه كله ولكن اسم جورج لاميل لم يكن موجوداً . ولكن هل يعقل ان يقبل تحديه ويقبل مبارزته ان لم يكن ماهراً في استعمال المسدس ؟
وفتح احد الصناديق وتناول منه مسدساً وامسكه المسكة الصحيحة للاطلاق ورفع ذراعه ... لكنه احس بالرجفة تسري في جسمه فقال مخاطباً نفسه :
ـ من العسير علي ان اقاتل وانا على هذه الحال .
وتأمل مؤخرة فوهة المسدس ... تلك الفوهة التي تلفظ الموت ثم فكر في العار الذي سيلحق به ... والهمسات اللاذعة في المجتمعات ... وضحكات السخرية في الاندية ، والاهانات التي تنصب عليه من السيدات والغمزات التي سينشرها الصحفيون ... والشتائم التي سيلصقها
الجبناء به . وعاد يفحص المسدس ويتأمله وكم كان سروره بالغاً عندما اكتشف بان المسدس محشو بالصدفة .
ففتح فمه ووضع فيها فوهة المسدس ثم ضغط على الزناد .. وعندما اتى خادمه مهرولا على صوت الطلق الناري وجده جثة هامدة لا حراك فيها . كان هنالك خيط من الدماء قد لطخ ورقة بيضاء كتب فيها :
» هذه هي وصيتي «
ترجمة : منير بشاره عبود
اكتب قصيدة يا فرجيل
( بقية المنشور على الصفحة ١٥ )
وعرفت جوهر العالم الذي فيها والعالم الذي حولها ، امة قد نالت الاستقلال فعرفت معنى الاستقلال ، امة قد اخترقتها اشعة الحرية فلم تقف عند المادة والجسد بل تعدتها الى النفس والروح . امة قد امتلأت قلوب افرادها بايمان كل حبة منه تنقل الجبال ، وعلا جباه رجالها ونسائها ضياء ، كل قبس منه يهدي الاجيال .



