تسنى لي في خلال العام الذي قضيته في الولايات المتحدة، ان اتصل بكثيرين من ابناء البلدان العربية عموماً، والبلد اللبناني المفدى على الاخص. وكانت اجتماعات، وكانت زيارات، وكانت دعوات، تجلى فيها العطف والسخاء، وكرم الاخلاق باجلى مظاهره. وان انا رحت اصف غيرة المغتربين على المواطن الزائر، وحنينهم الصادق الى وطنهم الاول واهليهم البعيدين لضاق بي المجل، وغاب عني البيان. وعليه فانني اجتزئ بالقول: ان حنين اللبناني المقيم الى نسبه المغترب لا يقل في شيء عن شوق المغترب الى اللبناني المقيم. بل ان عاطفتهم هذه تتخطى القريب الى الغريب وتتجاوز المعروف الى المجهول. فالمغترب يأنس بكل لبناني لما يعبق في اثوابه من رائحة الوطن الاول، كما ان المقيم يهش الى كل قادم من ديار الغربة. لانه رسالة حية ناطقة من كل مغترب الى كل مقيم. وقد اختبرت ذلك بنفسي، اذ استوى في العطف الذي صادفته، الاقارب والاباعد، كما استوى الاصدقاء السابقون والمعارف المستحدثون، فكان الذي لاقيته مثلاً من الثري الكبير السيد مسعود حبيقه، والاديب الرقيق السيد فريد نجيم والشهم الغيور اسبيردون رزق لا يقل في شيء عما صادفته في دور انسبائي: آل اليازجي وآل الخوري وآل الصليبي وآل الاسود مما اثبت لي ان ذلك الاكرام البالغ لهذا الشخص العادي لم يكن سوى رمز للشوق الذي يكنه المغترب للوطن الام.
على اننا اذا باحثنا المغترب في موضوع
العودة الى لبنان نهائياً، اجفل واتجه فكره نحو الثروة التي مازال يجمعها بعرق الجبين، ودم القلب، وتسائل عن مصيرها في وضع لم يتهيأ له بعد الاستقرار التام في عموم مناحيه. نعم ان زعماء الامة قد بذلوا منذ عهد الاستقلال الميمون، الجهود الكثيرة لتشويق المغتربين الى الرجوع باموالهم واشيائهم الى وطنهم الاول.

فاعدوا للامر عدته، وانشأوا للاغتراب وزارة خاصة، وعينوا للمشروع الاكفاء من الموظفين، وارسلوا الى السفراء والقناصل بالتعليمات الوافية من اجل تحقيق هذا الهدف. ويعلم الله ان من وكل اليهم الامر، لم يدخروا وسعاً في سبيل الدعاية للبنان وفي ترغيب المغتربين في الرجوع الى لبنان. الا ان الدعاية وحدها لا تكفي، والاقتصار على التشويق لا يأتي بالثمر الذي نرجوه. ذلك لان المعضلة ليست في اساسها معضلة عاطفية بسيطة، بل معضلة «مصلحة» شديدة
التعقيد. فالمغتربون فئات عديدة، فيهم التجار والعمال والموظفون وارباب المهن الحرة، والمتقاعدون الذين ينفقون من الاحتياطي الذي اقتصدوه في سني جهادهم وكلهم ينظر الى «مشروع العودة» من زاوية المصلحة في الدرجة الاولى، فلا مهرب - والحالة هذه - من اجراء التدابير العملية التي من شأنها ان ترضي العاطفة والمصلحة في وقت واحد. وهذه كلمة بريئة مخلصة نوجز فيها وجهة النظر، كما تجلت لنا عند كل من هذه الفئات:
١ - ارباب الرساميل
هي الفئة التي يهمنا رجوعها الى البلاد في الدرجة الاولى، لما يتأتى عن ذلك من زيادة في ثروة البلاد واتساع في امكانيات العمل. الا ان احداً من هؤلاء لا يفكر - في الوقت الحاضر - بنقل عمله الى البلاد. وذلك لسببين رئيسيين: الاول عالمي وهو عدم استقرار الوضع النقدي بين الدول وكثرة القيود المفروضة على حركة الاستيراد والتصدير. والثاني موضعي: وهو افتقار المصالح العامة الى المزيد من التنظيم، والحاجة الماسة الى تسهيل المعاملات، وضبط الامور على اختلافها. فاذا تم لنا ذلك رجع الكثيرون من المتمولين بلا دعاية ولا تشويق.
٢ - اصحاب الرواتب
هؤلاء يكسبون رزقهم اليومي بالجد والعمل المتواصل. وقلما يتسنى لهم ان يجمعوا الثروات الطائلة، وانما هم ينفقون في غضون الاسبوع جل ما تيسر لهم تحصيله في الاسبوع السابق. وهؤلاء لا


