يخطر لهم الرجوع في بال - على ما يختلج في احشائهم من حنين الى لبنان - ومرد ذلك في الاكثر الى سببين هامين. الاول: ان الاعمال هنا غير متوفرة ، وهم لم ينسوا بعد ، اذ غادروا البلاد ، انهم انما غادروها رغبة في العمل والتماساً للرزق ، فكيف يلقون بانفسهم مرة ثانية في حماة البطالة ؟! والثاني: ان الضمانات التي يتمتع بها العامل والموظف هناك لا يجد نظيرها في اي بلد آخر في العالم . فساعات العمل محدودة ، والحياة مؤمنة ضد الفاقة والمرض والحوادث وهو الى ذلك يتمتع بحماية نقابة قوية نشيطة تصون حقوقه وتدفع عنه كل اجحاف واستغلال - فاني له مثل هذه الضمانات خارج بلاد العم سام ؟! وعليه فسياسة التشويق لا تجدي ان لم تقترن بالسعي لايجاد الاعمال وتوفير الضمانات .
٣ - ذوو المهن الحرة
وفي طليعة هؤلاء: الاطباء والمحامون والمهندسون. هؤلاء تضيق اوقاتهم بالاعمال وتغص قاعاتهم بالمنتظرين ، حتى انهم ليرفعون التعرفة رغبة منهم في « تخل » الزبائن ، في حين ان زملاءهم عندنا يلجأون الى « المناقصة » لكسب الزبائن . فالدعاية العاطفية في مثل هذا الموضوع مكتوب لها الفشل ، والتدبير الفعال انما هو في انشاء المشاريع العمرانية ، بحيث يتسع لمثل هؤلاء المجال ، فتستفيد البلاد من علمهم وخبرتهم ، وتعتز بما فيهم ومآثرهم .
٤ - المتقاعدون
وهم الذين انهكهم العمل المتواصل فختموا مرحلة الجهاد من حياتهم وراحوا ينشدون الراحة حيث سنحت لهم . وقد نجحت سياسة التشويق بين هؤلاء اكثر منها بين سواهم . ذلك لان المصلحة هنا انسجمت مع العاطفة ، لما يتوفر هنا من اسباب الهدوء والانس بالاهل الى جانب تدني الاسعار . ولئن كانت الشؤون المالية
والادارية لا تعنيهم كثيراً ، الا انهم يخشون ان لا يجدوا في الوطن عوضاً عن الجو الطليق الذي يعيشون فيه في غربتهم ولذلك نراهم يترددون في تضحية الحرية الواسعة من اجل الراحة المنشودة .
٥ - الاجيال الناشئة
ولا يتم هذا الحديث ان انا لم اخص الاجيال الناشئة بكلمة ولو وجيزة . ويؤسفني ان اقول : ان هؤلاء لا تربطهم بوطن ذويهم رابطة ما - اللهم الا رابطة حب الاستطلاع - فهم يحبون ان يقوموا بزيارة الى هذه البلاد، لا لشيء الا ليتعرفوا الى البلاد التي جاء منها ذووهم . اما ان يرغبوا فيها عن البلاد التي نشأوا في ظلالها فهذا ما لا يخطر لهم في بال انهم اميركيون بكل معنى ، وقل منهم من ينطق بالعربية سالمة من الرطانة الاعجمية . فابن المغترب اميركي بلسانه ، اميركي بفكره واميركي بقلبه . واذاً فلا مطمع في رده الى الحظيرة ان النظام الديموقراطي الواسع الذي ينعم في ظله المغترب الناشئ عزيز عليه كحياته ولا يرضى عنه بديلاً بحال من الاحوال .
وبعد، فالمغتربون على اختلاف مرافقهم واتجاهاتهم ، يجمعون على الاهتمام بمستقبل اولادهم ، بحيث يختارون لهم المكان
الاصلح لنشأتهم ومستقبل حياتهم ولا مراء في ان امكانيات التحصل والتقدم اوسع في الديار الاميركية منها هنا ، وعليه فقد يضحي المغترب براحته وحنينه من اجل مستقبل اولاده . فاذا نحن شئنا ان نستهويه لم يكن لنا بد من ان نجعل طلب العلم في متناول كل طالب ونيسر للمتعلمين اسباب التقدم والعمل المثمر .
وخلاصة القول ان المغترب بين عاملين اثنين : عامل جاذب هو الحنين الى بلاده واهليه . وعامل دافع هو الحرص على مصالحه المادية . وقد اقتصرت الدعاية التي قمنا بها حتى الآن على تركية العامل الاول ، واما الثاني والاهم فلم تستقم لنا معالجته بعد. فلنمض في الاصلاح الاداري بصورة جارفة ، ولتنظم المصالح العامة بشكل جازم ، ولتنشيء المشاريع العمرانية على نطاق واسع ولتستأنف تحقيق الضمانات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على اختلافها ، وعندها نرى وفود المغتربين يعودون باموالهم ويقفون ذكاءهم واختبارهم ، على منفعة الامة ، وخير البلاد .
كمال اليازجي
الجامعة الاميركية