ان هو الا خالد بن الوليد ، هذا الذي يطلع على الناس ، كأنه وجه العاصفة او كأنه غضبة القضاء ، تنقض من السماء على القوم ، فتتزاح صفوف الروم صفاً بعد صف ، والعاصفة تدور على نفسها ، تطحن هنا ، وتذري هناك ، وعلى جوانحها خضيب من الدماء ، وفي التراب نجيع تغوص فيه الخيول الى الركب .
والناس في حيرة يتساءلون من هذا الفارس الملثم ، في عينيه وميض نار ، وفي جبينه مثل هذه الكبرياء ، وزنده في الصفوف فرياً فرياً ؟...

من في فرسان العرب غير خالد يحمل الموت والدمار ، ويحمل في سيفه هذه الصواعق المجنونة ؟...
واذا خالد نفسه يطلع على الناس وهم في حيرتهم هذه ، وفي عيونه تساؤل ، وفي جبينه انبساط .. من هذا ايها العرب ؟ من هذا ؟ من هذا ؟ ويشد ابطال العرب شدة واحدة وراء الفارس الملثم ، وعلى رأسهم ابن الوليد ... وابن الوليد ينظر
الى الملثم على جواده ، وكأنه لهيب نار ، ياوي على الاعناق والنحور ، وما تمالك خالد ان صاح : « لله درك ! اكشف لنا عن لثامك ، حتى نتبين هويتك » فمال الفارس عنه ولم يخاطبه ، ولامه الجند قائلين : ايها الرجل الكريم اميرك يخاطبك وانت تعرض عنه ! فلما رأى الفارس الحاحاً شديداً من ابن الوليد لمعرفة اسمه خاطبه من تحت لثامه بلهجة التأنيث وقال
« انا ايها الامير لم اعرض عنك الاحتباء منك لانني من ذوات الخدور ». فقال لها: « ومن انت ؟ اجابت : « انا خولة بنت الازور واني كنت مع بنات العرب وقد اتاني الساعي بان ضراراً اسير ، فركبت وفعلت ما فعلت » . قال خالد : « نحمل باجمعنا ونرجو من الله ان نصل الى اخيك فنفكه » .
وحملوا ، وحملت خولة امامهم وقال الروم : ان كان القوم كلهم مثل هذا الفارس فما لنا بهم طاقة !
ومالت الشمس نحو المغيب وهي لم تعثر له على اثر . فبكت وقالت : « يا ابن امي ، ليت شعري في اي بيداء طرحوك ام باي سنان طعنوك ؟ يا اخي ، اختك لك الفداء ، ولو اني اراك ، انقذتك من ايدي الاعداء !
واقسم خالد ان لا يغمض له جفن قبل ان يتحقق من مصير ضرار ، وجاء من انباء ان ضراراً اسير في طريقه الى حمص تحوطه شرذمة من مائة جندي ، فأرسل خالد قوة لانقاذه وكانت خولة معهم ، فافلحوا في تخليص ضرار وافناء الجنود المائة عن بكرة ابيهم ...
خولة بنت الازور ، واحدة من بنات العرب ، بيضت وجه النساء في عصرها ، فكانت فارسة في الفرسان ، ساعة تدعو الساعة الى القتال . وكانت صوتاً صارخاً في وجه الظلم .. لا تهاب امراً عظيماً .. وها هي ، عندما اسرت نساء العرب في


