في صباح يوم من ايام الربيع الاولى قبل ان تزدهر اوراق الاشجار وتخضل، تقابل عصفوران صغيران من العصافير الدورية على سابق موعد في عنان الجو. فقال العصفور وهو يرفرف بجناحيه في ضوء الشمس:
«يا عزيزتي، اما وقد وعدت بان تكوني زوجتي، فهل لنا ان نبحث عن ايكة شائكة صغيرة نبني فيها عشنا؟».
فشمخت العصفورة بمنقارها في الهواء في انفة واحتقار واجابت «اني ارفض السكن في اية ايكة شائكة، بل اريد الاقامة في أعلى اغصان شجرة الصفصاف»
قال العصفور: «ولكن شجرة الصفصاف قريبة جداً من الماء وعلى ذلك سيكون مسكننا رطباً، ولكن اذا تشبثت برأيك، فلا مانع عندي في ان نقوم ببناء عشنا في أعلى اغصان الشجرة».
ومن ثم طارا الى شجرة الصفصاف القائمة على حافة الغدير.
وهنا تهلل وجه العصفورة فرحاً وقالت: «يا له من مكان جميل. هنا يا حبيبي سنبني عشنا. وهناك بأعلى اغصان الشجرة سنجلس في الايام الصحوة المشمسة ونضع خمس بيضات جميلة، ونتمتع بمشاهدة الطبيعة. وسوف يكون لنا اجمل الاولاد في العالم، ويكون في استطاعتنا مراقبة السحب وهي تسبح في القبة الزرقاء. وننعم بالغبطة والسعادة الى ابد الآبدين.»
وفي تلك اللحظة جاءت بقرة سوداء كانت ترعى في الحقل الى الغدير لتشرب
من مائه، وتطلعت اليها بعينيها الكبيرتين الناعستين وقالت: «لو كنت مكانكما لتخليت عن هذه الشجرة لانها بلغت من العمر عتياً، فلا احك ظهري بها حتى تهتز وتتمايل بعنف. انظر كيف انحنت فوق الغدير، وسيأتي يوم تتداعى فتسقط فيه.»
ونفش العصفور من ريش رقبته وصاح بالبقرة قائلاً: «اذهبي ايتها العجوز البلهاء والا قضمت انفك. وعلى كل حال كفي من تمسحك بشجرتنا.»
وخفضت البقرة رأسها، وبعد ان شربت من الغدير، مضت في سبيلها.
وفي تلك اللحظة اخرج فأر اعمى انفه
من جحره قرب جذع الشجرة ونادى العصفور قائلاً:
«لقد سمعت ما قلته يا صديقي. ونصيحتي لك الا تبني عشك هنا، فهذه الشجرة قد تبدو لك متينة عالية ولكنها واهية الجذور في امكان اول ريح قوية ان تقتلعها.»
فنظر اليه العصفوران بصلف وكبرياء وقالا: «ان العصافير امثالنا ليسوا بحاجة الى نصيحة مخلوق حقير اعمى مثلك، فلنا عيون ترى ما يخفى على الغير. عد الى جحرك، والى مأواك بين الجذور والقاذورات.»
اجاب الفأر قائلاً: «قد يكون هذا مأواي، ولكني اعلم بدخائله، وما لا تستطيع عيوني ان تراه في هذا المأوى، لا تستطيع عيونكما ان تراه. ولكنني احس بانفي وادرك بعقلي.»
على ان العصفورين لم يعيراه اي التفات، وقاما ببناء عشها في الشجرة بالقش والصوف والريش والطين، ووضعا بيضها فيه.
وفي ذات ليلة هبت ريح صرصر هزت من عود الشجرة وقصفتها، فانت انتها الاخيرة وسقطت في الماء، وقد امتدت جذورها نحو السماء، وغرقت اغصانها المورقة بين الاوحال. وجرف النهر البيضات الخمس التي كانت قرة عيون العصفورين.
فلما جاءت البقرة السوداء الى الغدير للشرب سمعت العصفورين يبكيان اشد البكاء...


