

« العودة الى الشعر »
بصدد
ديوان شعر لعاطف كرم
صدرت منذ ايام مجموعة شعرية ( من هوانا ) للاستاذ عاطف كرم ، وقد دفعنا بها الى صديق اديب موهوب يعرف قيمة الظلال والالوان في الحروف ، فيقول كلمته فيها . وها هو « ابو شادي » يقول كلمته في مجموعة « من هوانا » :
هذا الشاعر الشاب ، يرجع بالشعر الى ينبوعيه : « السذاجة والفناء » . اما السذاجة عنده فأصل ، وكل ما سواها فرع . سذاجة في الحساسة بحيث يرجع بنا الى « الانسان » الى « الماهية » . وليتضح لديك دفعة انه - في طهارة الطفل وحساسه المرهفة - يطل على الارض والسماء ويجسد منه احصاء من الصور . لقد افنى الزمان فينا هذه الصور الجمالية فضبطها في حدود ضمية وضيقة ، فتشوهت ، فيخرجها صاحب هذه المجموعة بعد ان يراها النقل والاستعمال ، ويبرجها في خطوط متساوقة الاضواء والاظلال والالوان ، عجيبة في أحجامها واشكالها ، فتظهر بكل طهارة وبكارة :
وكأني قد لمحت المنحنى
زاحفاً ينفض عنه الزمنا
وقوله : « والربى خاطت على النهر غماماً »
وقوله : « مداخن من بيلسان . . . تنسك فيها الزمان » .
ومن جميل هذا « الطهر » انه يستقي من حيث استقى الشعر الفني العامي في لبنان ، فيرفع الالوان الى مستوى الشعر الفناني دون ان تفقد الصور اللبنانية عاملاً من عوامل الاهتزاز . فان عطر التراب ، وانسحاب الضباب والدخان واصاخة الشاطئ ، وغمرة النجمة ، والكرم ورنة الغدير فضاء هذه القصائد وملعبها :
وخيمتنا في الكروم تطوي الغيوم
وفي الليلة المقمرة ترى المعصرة
تصب وتسقي النجوم
والفضاء والارض مفعمان بالذكر ، والحنين باطياف من الماضي . فظل الماضي ينطرح على
حاضر الشاعر ، فيحلو له في حاضره ما يستهيبه من عهد الصبا الاول . فهذا الوشاح الدامي :
« من ريش اي جناح ولون اي صباح
صبغت يانور عيني ألوان هذا الوشاح
كأنما فيه عمري ومثخنات جراحي »
ليس فيه من بلاد الحضر خيط ولا لون ، وانما هو من مرابع الجبل ، تحركه نسائم عاشقة في دروب الجبل . والعودة الى الريف لحن مستمر الحنين أكان في خصلة الشعر والسكرة أم في الرقصة والصلاة . هي من الماضي بقايا تجمل الحاضر . فمن القصائد السبع والثلاثين لا ترى الا اثنتين عاريتين من هذا الرجع القديم . كثيراً ما يوفق الى روي سخي يسود فيلف البيت الشعري بايقاع غامر شامل - يكون جميعها جوا شعورياً . فكثيراً ما لا يحزك المعنى الا لانه محمول على دفق من النشيد ، فيأتي الشكل وجوهره كلا لا يتجزأ . وفي موجة الفناء هذه جزر ومد واخذ وعطاء .
« ألم يكفنا اننا غريبان عما هنا »
« وان على رحبها الحياة تضيق بنا »
وقوله :
رد احلامي العذاب الي
يا رسولاً بالحي مر وحيا
يا نسيماً في حبها مر بعدي
خذ بردنيك من جراحي شيئاً
يا صباحاً يمر في حي ليلى
رافقتك الاحلام من مقلتي
فالترجيع في البيتين الاولين ولفظة « رد » تجاوبا لفظة « مر » في صدر البيت الاول وعجزه ، وبين « احلامي » والحي ، وحيا ، وجراح ، وصباح واحلام وتحلو » من ناحية وبين حروف اللين والمد وحروف القطع والوقف من ناحية اخرى تموج صوتي فيه من الارسال والقطف ما في اجزاء المزوقة الكلاسيكية من التجاوب والاصداء والانسجام فلا نفور ولا نتوء . ثم ان « الروي » هو في نظرنا اغنى قوافي الشعر نشيداً . ويتضح
للمتوغل في هذا النحو ان الفناء يبدأ خفيفاً ، ثم يشتد ليفر شيئاً فشيئاً وجداً في نهاية الروي الرابع . ولعل في تكرار الالفاظ الواحدة ما يجعل الحداء الشعري ميسوراً . الا يخيل اليك ان الموجة هذه من الشعر تموت على شاطئ « شعر المجنون » بما فيها من رفق وحساسة ولين وصفاء .
ثم ان في المجموعة قصيدتين من طراز غير هذا واعني « نداء البقاء » و « ابي » على عمق الفكرة وجمال النحت في الاولى ، وعلى روعة الصورة واحكام السبك في الثانية ، فهذان النشيدان من لحن آخر ، فانظر كيف يطيب للشعر الرفيع ان ينسب اليه هذه الابيات ، في موت « ابي » والى الصراع بين البقاء والفناء بين الحياة والموت :
« نزوة تطلب المجال واخرى
حكمت كفها بثوب المساء
واشتدت فالشئ يمسك بالشيء
وحبل النجاة عبر الفضاء
وبكهف العيون غور سحيق
كاضمار الظلماء في الظلماء
ويتابع في عمل الظلام قوله :
ويبرك من مسالحك الحضر
ويرخي عليك ستر المساء
فيه كالورس من غبار المنايا
ولهاث المجامر الصفراء
وأحس السماء ارخت يد الارض
وغصت بالدمعة السوداء » الخ
* * *
ونأخذ عليه الافراط في الارسال حتى يبلغ التراخي احياناً . ويدرك عليه قوله « مطواعة » ولم يسمع منه مفعاله . وبعض اللفظ العامي الذي يستهيبه اليه موضوعه والوانه . على ان المحدثين من شعراء العباس لم يتورعوا بل اعتبروه ضرورة .
ومهما يكن فطبيعي ان تفوق بعض القصائد بعضها الآخر ، وان تنيف الاجزاء على الاجزاء في المؤلف الواحد .
على ان من بكارة الاحساس والحس مما ، ومن طيب الانشاد ما يرفع هذه المجموعة الجديدة « من هوانا » الى مرتبة الشعر العالي ، وكنا اوشكنا ان نفقده بالاسى القريب لالتزام التقليد والافراط في النظريات الشعرية .
« ابو شادي »