- ١ -
لم تكد تحسر الغطاء الرث ، عن شعرها الاغبر ، وجبينها المجمد الكئيب ، وعينيها اللتين تخبو فيهما جذوة الحياة ، حتى شعرت بصحوة غريبة لم تنعم بها الا منذ عهد بعيد وبعيد ، فاذا رفعت رأسها قليلاً عن الوساد لاحت لها المزرعة في غمرة من ظلال الغروب ، وقد انتشرت الاكواخ على حوادر الغور ، وتراكضت الغيوم على رقعة الفضاء ، وتطاير الشجرور من غيمة لغيمة ومن كوخ لكوخ ، وكأنه في كل طيرة يصبغ جناحيه بلون ، وكأن جناحيه يزوّدان النسيم يشدو فيه من البوح ما فيه من الكلمات ، حتى اذا صارت التمتمة في الكوخ الذي يحتويها تمتمات ، واصبحت الهمسة في اعماقها الهائمة همسات ، انفرجت شفتاها بشبه النواح او الغناء ، وقد ثقل رأسها وتراخى على الوساد :
« يا طير ... »
ووّدت لو طاوعتها الشفتان ، فتغني او تنوح ، ولكنها تركت ذلك لعينين اخذتا تذوبان على خديها الذابلين ، وقلب راح يخفق في صدرها المحطم :
- ٢ -
- « يا طير ... يا شجرور .. يا اعز الشحارير والطيور ! فيم تقبل على كل كوخ الا على كوخي الحقير ؟!.. اهكذا يكون الوفاء بين الخلان ، فلا تمر بي الا كما تمر الغيوم برقعة الفضاء ، وعهدي بك تحوّم حول الكوخ ، وتطل من الكوة ، وتغرد في كل مساء ؟!.. انسيت ما كان بيننا في سالف الزمان انسيت روحاتنا الى الحقل وغدواتنا من الحقل ؟! انسيت اغاني لك واغاريدك لي ؟
انسيت ذلك اليوم .. بل تلك الايام ... انسيت ؟.. انسيت ؟!..
انس ، اذا شئت ، يا شحرور ، او لا تنس ، ولكني ، على ذلك ، اذكر كل شيء يا صديقي القديم : فكأني بك الآن تحلق في سماء هذه المزرعة كما كنت تحلق في سماء الضيعة منذ اعوام واعوام ، وقد تخضبت اغرودتك بخضاب جناحيك فاذا في هذه من زرقة الجلد وحمرة الشفق وخضرة الحقل ما في هذين ، حتى لكأني الآن في الحقل ، والدنيا في آخر النهار واول الليل ، والضيعة تلوح من بعيد وراء الاثلام والاعشاب والاشجار ، وانا اخبط حافية في مفرق العشب ، وقد قمّطت شعري ، وشمرت عن ساعدي ، فحملت المنجل بيمناي ، وضممت مئزري
الفضفاض على بعض البقول بيسراي ، ورحت اهتف بك وانصت لاغاريدك ، واكاد اطير من خفة اليك ، ولكني وقعت قرب النهر ، فوحلت قدماي ، وابتل ثوبي ، وتلوثت يداي ، وقد غاص المنجل في الماء ، وذهبت البقول مع المجرى ، حتى اذا زاغت عيناي وكادت الدنيا تدور بي ، سمعت صوتاً يناديني :



