- « رباب ... »والتفت ، فاذا ابن عمي يحوّل عندابته ، ثم يدنو مني ويرفعني اليه قائلاً:- كدت تغرقين يا رباب !...- وما جاء بك يا شوقي الآن ؟..- بل فيم ابطاؤك حتى الآن ؟ وانتوحيدة .. في هذا الحقل ؟..- اوتظني كنت وحيدة ... او فيالحقل ؟..- واين كنت اذن ؟..- برفقة صاحب .. اعز الصحاب ..- ماذا تقولين ؟ .. اي صحاب ؟..- اترى ذلك الشحرور .. ذلك الطيرغير المحلق في السماء ؟..- كنت هناك ، على ما اظن ،ولكنك هويت الى الارض وكدتتغرقين في مجرى الماء ... انك تحلقينكثيراً يا ابنة عمي ، واني لاخاف عليكهذه السماء !...- لا تخف يا ابن عمي ، فاذا سقطتمرة فلن اسقط كل المرات .. اني خفيفةاخف من النسيم .. وان لدي جناحاً ...بل جناحين ..- اوليس لديك ايضاً منقار وذيل ..او .. مناقير واذيال ...قال هذا ضاحكاً ، ثم اعتلى دابته ،فاردفني وراءه ، ورحنا نهرول نحوالضيعة مسرعين ...*« ويا لهذه الضيعة يا شحرور ، كيفتبدو الآن باكواخها المبعثرة ، وازقتهاالضيقة المتعرّجة ، ومراعيها المنحدرةخلف الكروم والحقول ، حيث يهبطالرعيان بقطعانهم ، ويذهب النواطيربدوابهم ، ويسير الحراثون بفدادينهم ، وقداختلطت اهازيجهم بوقع الحوافر وطنينالجلاجل وانغام المزامير ... والدنيا عندالفجر وعند الضحى وعند الاصيل ...ونحن في الحقل نبذر الحب ، وعلى البيدرنكوم الاغمار ، وعند المعصرة نفرغالسلال ، وحول الموقد نحكي الحكاياتونأكل الجوز واللوز بالتين والزبيب ، ثمتنعس جفوننا ، فنهدأ وننام ، ونحلم اياحلام !...وما كان أكثر هذه الاحلام وما كانالذها ، لولا حلم واحد ازعجني أكثر منليلة واكثر من نهار ، اذ كان يتراءى لياتني اسير شبه عارية ، وانا في مكان مقفرقصي ، وقد نبت لي جناحان يخفقان دونان اقوى على الطيران ، فاذا افقت الفيتنيارتجف وقد احاط بي الظلام ... ظلامتابعني في طفولتي ، ولاحقني في صباي ،وداهمني اكثر ما داهمني في ليالي الشتاء ،
٣٩