حتى اذا جاء الربيع وكنت عائدة من
الحقل ذات مساء اجمع الزهور واغني ،
سمعت صوتاً يزعق في تلك الارجاء ، واذا
سيارة لامعة سوداء تدنو مني ثم تقف ،
واذا شاب حسن الطلعة والهندام يحييني
بابتسامة ثم يقول :
- اتبيعين هذه الزهور يا حسناء ؟..
فأجبت على الفور :
- انها ليست للبيع ... اما وقد
وقعت في عينك فهي لك ..
وقدمتها له ، فقال وقد اخرج من
جيبه قطعة فضية ووضعها في كفي :
- اما هذه فليست للزهور ... انما
لصوتك الرخيم .. ووجهك الحلو الوسيم .
لقد سمعتك من بعيد ، وها انذا اراك من
قريب .. فغنيني شيئاً .. غني هذه الاغنية
التي كنت ترددينها قبل لحظات .. هيا ..
أأبدأ بها ؟ ..
وجعل يدندن لحناً ناشزاً ، فباركت
الكلمات ، ويضيع النبرات ، ولكني لم
اطق منه ذلك ، فجعلت اصلح اللحن على
غير ما ادري وغير ما اريد ، وقد اخذ
يتقدم مني في قلق ، ويتفرسني في ارتباك
حتى اذا استرسلت في الغناء صاح بي :
- حرام ... حرام ... ان يضيع
هذا الصوت ، وان يذبل هذا الجمال ...
في هذه الدمن ... وهذه المزابل !!...
ان صبية مثلك .. في بلادنا ..
- بلادكم ؟!..
- اجل .. هاتيك التي تنبسط على
الجانب الآخر من الجبل ، حيث تجدين
الف صبية وصبية ، يلبسن الثياب الحريرية
ويعشن في الدور العالية ، ويقدن
السيارات الفخمة ، ويحسدنك على هذه
السمرة التي تدبغ وجهك ، وهذه الغنة
التي تمازج صوتك ، وهذه اللذة التي تهوم
حولك .. آه لو كنت في بلادنا ... لو
ذهبت اليها ليلة واحدة .. اتذهبين معي ..
اتذهبين ؟...
- اذهب معك ؟..
- ولم لا ؟!.. كلها ليلة وتعودين
قبل الصباح ... اسمعي كلامي ، تعلمي
اين هذه الارض من تلك السماء ...
وصار الكلام في فمي ، فتلعثمت ،
ولكني لم ادر كيف قلت :
- واهلي .. ماذا يقولون لو علموا ؟!
انهم لا يسمحون .
- وما من اهلك ؟ لاندعيهم يعلموا ..
اسمعي .. عودي الآن الى البيت ... ولا
تخرجي الا اذا ناموا .. اني انتظرك هنا ..
عند النهر .. في منتصف الليل .. هنا ..
اتفهمين ؟..
قال هذا ، وقد مد يده يقرص خدي
ثم ركب سيارته ومضى في طريقه ، كما
ركبت ساقي ومضيت في طريقي وكأنما
شيء كالسحر قد مسني ، كأنما هذه اللهجة
التي ترن في اذني ، وهذه القرصة التي تجمر
خدي ، وهذه الرعشة التي تعتريني - كأنما
كل هذه تدفعني قسراً الى المضي ، فاذا انا
استعجل كل خطوة وكل لحظة ، واذا انا
اتوق للنهر والليل ، حتى اذا انطوت
الخطوات والتفت اللحظات وجن الليل ،
سمعت ابي يقول لامي وقد نام اخوتي
واطفيء المصباح :
- ما رأيك يا امرأة ؟.. انني لا ارى
اصلح منه لرباب ..
- شوقي ابننا يا رجل .. وهو ربيبنا
وحبيبنا ... عمره من عمرها ، وعقله من

