
عقلها ، وجسمه من جسمها ، وليس اصلح منه لرباب ..
- انفاتحها بالامر ؟..
- ولم لا ؟! في اقرب ما يكون ..
» وهذا كل شيء الا نداء النهر الذي اخذ يهدر في اعماقي ويصطخب ، فقمت من بين اخوتي النائمين استرق الخطى ، وقد التففت بشال عتيق ، وحملت حذائي بيدي ، وركضت مسرعة الى السيارة التي تنتظرني في ظلمة الليل .. ذلك الليل الذي لا اذكر منه الا اني قد شربت فيه كأساً لذيذة وهجعت ، فلما افقت وجدتني في غاب مقفر قصي ، وقد اخذ يبتعد عني شخصان يتضاحكان فيما يشبه عواء الذئاب ثم يستقلان سيارة لامعة سوداء ويمضيان مسرعين ...
ولكم وددت لو اعرتني جناحيك لالحق بها يا شحرور .. لكم وددت لو دفنت نفسي في ذلك الغاب الى الابد .. لو انشقت الارض فابتلعتني ، او انفرجت السماء فاختطفتني .. لو جاء ابي وامي ، واهلي وبيت عمي ، ورجموني ، ثم مزقوني وحرقوني وذروا رمادي في الرياح .. ولكني انطرحت على الارض ابكي طيشي وتهوري واندب امي وعاري ، وكأنك قد سمعت بكائي وندبي ، فرحت تقفز حولي وتغرد لي كأنك ترثي لحالي ، وتشاركني مصابي وتهوّن عليّ ما ألمّ بي .. على ان شيئاً لم يهن من عذابي ، وكيف يهون وقد هجرت جنتي الخضراء ، وحرمت نفسي الاهل والخلان ، واصبحت منبوذة في عيني وفي عيون الناس ، بحيث لا استحق بعد الحياة ولكنك كنت كل ما تبقى لي بعد في تلك الحياة ، فتعلقت بك ، ورحت انتقل معك من قرية لقرية ، ومن ضيعة لضيعة ومن مزرعة لمزرعة ، وبودي لو انتقل الى آخر الدنيا ، لعلي اتخلص من آلامي ، او انسى ذكرى الماضي ، او اكفر بعض
الشيء عن ذنبي ... هكذا ، وانا اشقى في سبيل شربة ماء ولقمة خبز ونومة ليل وليس لي في ذلك السبيل غير عرق جبيني الذي اخذ ينشف ، ودم قلبي الذي اخذ يجف ، وقوى ساعدي التي اخذت تضعف وتجف ، واذا انا في ذات يوم اقع من فرط الاعياء ، فلا اشعر الا وانا مسجاة في كوخ ... في هذا الكوخ الحقير ، وقد جلست بجانبي فلاحة يهمس في اذنها فلاح :
- ترى من تكون هذه الصبية ؟.. وما جاء بها الى الغور ؟..
- بل قل ما كان يحل بها لو لم نمر من هناك ...
- لقد مات وليدها ... ولعله من الخير ان يموت قبل ان تراه ... كفى انها الآن بخير .. ولنترك كل شيء للغد .
» ولقد كان الغد يا شحرور وبعد الغد ، فمرّت الايام ، ومرت الاعوام ... وانا اعيش في كنف هذين الفلاحين اطعم مما يطعمان ، والبس مما يلبسان ، وابيت حيث يبيتان ، واشتغل في كل ما يشتغلان هكذا ... وانت بعيد عني لا اراك ، حتى كان ذلك اليوم ، اذ لحت في القبة الزرقاء ، ورحت تحوم حول الكوخ ، وتطل من الكوة ، وتغرد اغاريد المساء فاذا هبط الليل ، مر بالباب عابر سبيل وطلب من عمي الفلاح ان يبيت ليلته ريثما يطلع الصبح وتبين الطريق ، فرحب به ، وامر زوجته باعداد فراش له في الشقة الاخرى من الكوخ ، فلما اعد كل شيء جلس يتعشى ، فاذا فرغ هجع الفلاحان وقام هو لينام ، على انني لم اذهب لفراشي حينذاك ، فكأنما شيء قد ألمّ بي وطرد عني النوم ، شيء كالذكرى الغامضة ، او البشرى المبهمة ، حتى اذا مضت فترة من الليل سمعته يهتف بصوت معذب خافت :
- رباب ...
فظننت انني حالمة ، لولا ان بلغني الصوت ثانية :
- هيهات يا رباب .. هيهات ..
فقمت اليه اسأله :
- هل ناديت ياسيدي ؟!
فقال ، وقد هبّ منذعراً :
- انا ؟!.. ابداً ... ابداً ... ربما كنت ... عفواً .. لقد ازعجتك يا اختاه
- ولكن من هذه رباب ؟...
- رباب ؟!... هل ذكرت اسمها .. ربما كنت ... اهذي ... او اتكلم في منامي ... انني افعل هذا في بعض الاحيان ..
- من هذه رباب ؟...
- ابنة عم لي .. كانت رفيقة طفولتي وعشيرة صباي ... ولكن ..
- ولكن ماذا ؟.. اين هي الآن ؟..
- لا ادري .. هيهات ان ادري .. فلقد اختفت في احدى الليالي ... فزعم اهل الضيعة انها كانت نصيب شبح يظهر كل عشر سنوات ويخطف صبية ، وقال اهلها واهلي انها غرقت في النهر وتهامس غيرهم ، وتغامز آخرون .. ولكني ، مع ذلك ، اعتقد انها بنت طيبة ، كما اعتقد انها ما تزال حية ، ولا ادري ما هو مبعث ذلك الاعتقاد ، كما لا ادري فيم تخطر على بالي هذه الليلة ... انها حية .. في قلبي .. وبين عيني .. وعلى شفتي .. عفواً يا اختاه لقد ازعجتك ... انه حديث قديم .. وأليم .
ولم اصدق عيني ، ولم اثق باذني ، وكدت اهتف بهذا العابر السبيل اهتف بشوقي ... شوقي ابن عمي ، ربي وحبيبي اهتف من اعماق قلبي الذي يتفتح عن لوعة مزمنة وشقاء دفين .. ولكني عدت ادراجي ، انهنه هذه اللوعة ، واهدهد ذاك الشقاء !..
» وكان صباح ، يا شحرور ، وكان مساء ، وكان الف صباح والف مساء ، فأخذ شعري يغبرّ ، وأخذ وجهي يتجعد