ويكتئب، وأخذت عيناي تخبو فيها
جذوة الحياة، وإذا أنا طريحة الفراش،
لا أقوى على الحراك، وقد ألقيت رأسي
على الوساد، ورحت في بحران وسبات
ثم أفقت على صوتك العذب الحنون،
وأنت تنتقل من غيمة لغيمة، وتقبل على
كل كوخ إلا على كوخي الحقير!..
«أقبل، إذا شئت، يا شحرور، أو
لا تقبل - ولكنك، على ذلك، تظل
عزيزاً عليّ، أعز ما في الشحارير والطيور.
أقبل، إذا شئت، يا شحرور، أو لا
تقبل... فيكفيني منك أنك تذكرني
وتنسيني، تسعدني وتشقيني... يكفيني
أنك تحلق الآن فوق مزرعتنا، أو أنك
آت من جو ضيعتنا، أو أنك طير من
طيور بلادنا... يكفيني أنك تغرد
لي أغرودتك العذبة، تلك التي كنت
أنصت إليها في الحقل، وأنا أهتف بك
وأكاد أطير من خفة إليك... يكفيني
أنك... آه يا شحرور... رويدك...
لا تبتعد... لا تبتعد وتتركني وحيدة
هنا..٪. إني بحاجة بعد إليك... أفلا
تنظرني لحظة ريثما أزيل ما علق بثوبي من
الوحل، وما لوّث يدي ووسّخ قدميّ؟
أنظرني... وإلا فقل لشوقي إذا لمحته في
الحيّ... قل له أن يسرع ويأتي حالاً
اليّ... قل له إنني سقطت عند النهر...
وانني وحيدة في الحقل... وان الدنيا
آخر النهار وأول الليل.. قل له انني
أخاف أهلي، أخافهم إذا عدت.. وانني
لن أعود بدونه للبيت.. قل له.. انني له
وانني.. آه يا شحرور.. لقد انتهى كل
شيء... فمد لي جناحيك، وخذني،
يا شحرور، خذني معك...»
- ٣ -
وفي تلك اللحظة، كفت العينان عن
الذوبان، وتوقف القلب عن الخفقان،
ورأى الفلاح الشيخ والفلاحة الشيخة،
وهما عائدان من الغور، شحروراً يطل
من الكوّة، فيحوّم على الكوخ، ثم
يجنح شطر الضياء الغارب البعيد...


