وتأثير الموسيقى الصامتة على تهدئة الاعصاب هو ما جعل علماء الطب يتفقون على اسماع المصابين ببعض الامراض العصبية شيئاً منها لانهم تحققوا انها من انجع العلاجات التي تساعد مرضاهم على الشفاء ، وتلك طريقة متبعة في اكبر مستشفيات العالم .
وللغناء أثر السحر بالنفس لا سيما اذا كان معنى الشعر الملحن بليغاً واذا كانت الانغام متناسبة معه . فأن الغناء يهيج كوامن النفس ويوقظ فيها الشوق والحزن والقلق والارتياح وينميها . لكن من الناس من يكبت وجده ويضبط جوارحه فيتنابه صمت عميق ولربما يغلق عينيه ليؤنس نفسه ، دون ان تبدو على أسرته تلك الانفعالات التي تتأجج في صدره ، وفي ذلك قال الاصبهاني : « السماع لا يجعل في القلب ما ليس فيه ، ولكن يحرك ما هو فيه ... » أجل ، ان الغناء يحرك الانسان ، وكم من مستمع لا يستطيع ضبط شعوره عند السماع ! كما ان قوة العقل توقف هذا التحريك ، وقد يغلب احدهما الآخر . والانغام انواع : منها ما يحمس فيستخرج حركات موزونة باليد أو الرجل من جراء هذا التأثير القوي الذي يتصل بصورة لاشعورية مع الارادة فتملي على الاعضاء تلك الحركات ، ومنها ما يفرح ، ومنها ما يشجي ، ومنها ما يدعو للسكون والاستغراق . وهنا احب ان اذكر قصة معبد المغني المشهور مع الاسود لطرافتها وهي تدل على مبلغ تأثير الغناء في الانسان . قال معبد :
- « بعث الي بعض امراء الحجاز أن اشخص الى مكة ، فشخصت ، واشتد علي الحر في الطريق فتقدمت غلامي وانتهيت الى خباء فيه أسود واذا حباب ماء (خابية ماء) قد بردت ، فقلت للاسود :
- يا هذا ! اسقني من هذا الماء .
فقال :
- لا !
فقلت :
- فأذن لي في الكنّ والراحة ساعة .
فاجاب :
- لا !
فأنخت ناقتي ولجأت الى ظلها لاسترد به وقلت لنفسي : لو اسمعت هذا الانسان شيئاً من الغناء ربما تكرم وبلّ حلقي بشيء من الماء فيخفف عني بعض ما اجده من العطش ، ثم ترنمت بصوتي الذي مطلعه « القصر ، فالنخل ، فالجداد بينهما » ولما سمعني الاسود اقدم علي وادخلني خباءه ثم قال :
- اي بأبي انت وامي ، هل لك في سويق السلت ؟ بهذا الشراب البارد ؟
( والسلت هو الشعير . )
فقلت :
- قد منعتني أقل من ذلك ؟
فلم يلبث ببنت شفة بل سقاني حتى رويت ، وجاء غلامي واقمنا عند الاسود حتى الرواح . ولما اردت الرحلة قال :
- أي بأبي أنت وأمي ، الحر شديد ، ولا آمن عليك مثل الذي اصابك ، فأذن لي ان احمل معك قربة ماء على عنقي وأسعى بها معك ، فكلما عطشت سقيتك صحناً وغنيتني صوتاً .
فأجبته :
- لك ذلك .
« ووالله ما فارقني يسقيني واغنيه حتى بلغت المنزل . »
ولا يقتصر نفاذ سحر الانغام على الانسان فقط ، بل يؤثر في الحيوان ايضاً ، فالابل مع بلادة طبعها تتأثر بالحداء تأثراً تستخف معه الاحمال الثقيلة ، فتراها تمدّ عنقها وتصغي لالحان الحادي وتسرع في السير لنشاطها ونشاطها بعد ان يكون قد نالها الكلال والاعياء . وترى الماعز تتسابق للاقتراب من راعيها اذا ما انبطح تحت ظل الشجر يداعب شبابته ، وتنصت الى انشاده الحزين وموسيقاه الصامتة المتكلمة كأنها تبغي التحبب اليه ، بل وكأنها تتمنى الا ينقطع عن العزف
والانشاد .
ومن ألطف ما قرأت في المجلة الزراعية التي كانت تصدر في حيفا ان الخبراء الفنيين يوصون بوضع جهاز راديو في حظائر البقر عند حلبها ، لان البقرة تستأنس بالموسيقى فتدرّ لبنها بغزارة تحت تأثير الالحان !
وتقول الاسطورة الاغريقية ان (اورفيوس) سحر الاسد بموسيقى قيثارته حتى نسي الاسد شراسته وجثا عند قدميه الى جانب الحمل ؟!.. والطير كثيراً ما يتأثر بالموسيقى . قيل ان جماعة التأموا في سهرة طرب ، جمعت بين العزف على العود والكمان والناي في ليلة باردة ، واذا بهم يسمعون نقراً خفيفاً على بلور النافذة ، ولما فتحها احدهم ، هجم طائر جذبه صوت الموسيقى وخرّ على الارض صريعاً لا حراك به ...
وليس الانسان بمفرده يجيد الغناء ، فمن الحيوان ايضاً من يحسن التلحين والتغريد . ان في تغاريد البلبل والعندليب وفي نقيق الضفادع وازيز صرصر الاحراج انسجاماً مؤنساً موزوناً يعبر اصدق التعبير عن آيات السحر والجمال ، وناهيك عن الطبيعة التي تملأ الفضاء بعذب موسيقاها الرخيمة ، والتي يحاول الانسان محاكاتها على الاوتار ، من حفيف الاشجار عندما تعبث بها نسمات الصبا الناعمة ، وخرير المياه المترقرقة ، وهمهمة الامواج وقد اخذت تداعبها الريح ، الى غير ذلك من تلك الاصوات ، بعناصرها الطبيعية ، التي تدعو الى الطمأنينة والسكون والتي تعرض علينا صوراً رائعة من جمال الطبيعة وقدرة الخالق !
ومع هذا كله ، ترى من الناس من لا يحركهم الغناء ولا تؤثر فيهم الموسيقى البتة ، فمن كان هكذا طبعه فهو غائر الروح ، لم يبلغ في رقة الطبع مبلغ الجمل والطير ، وفي هذا قال بليغ :
« من لم يحركه الربيع وازهاره ، والعود واوتاره ، فهو فاسد المزاج ، ليس له علاج ! » .
« دمشق »
