يختلف الواجب باختلاف الناس ، فواجب الغني غير واجب الفقير وواجب النابه غير واجب الحامل وواجب الصانع غير واجب الجندي وواجب المرأة غير واجب الرجل . غير أن قيمة الواجب في ذاته واحدة ، ومن أجل ذلك كان من أدى واجبه مستحقاً لأطيب الثناء ولن يقلل من شأنه أن يكون الواجب الذي أداه صغيراً بالقياس إلى شتى الواجبات التي ينهض بها غيره .
وأنبل صورة لأداء الواجب هي أن يؤديه الفرد طواعية واختياراً غير محفوز بأرب شخصية يبغي قضاءها باسم الواجب فإن آفة المجتمع ضعف أخلاق أفراده في تأدية الواجبات لذاتها على وجوهها الصحيحة .
أما عن رأيي في واجب المرأة فإني لا أسلم ولن أسلم بأن المرأة والرجل سواء من حيث القدرة على العمل ، وتنفّر نفسي من أن تتصورها في ميدان القتال شاهرة سيفاً وأن كان ذلك في سبيل الدفاع عن وطنها ، فإن طبيعتي تأبى أن تراها قاتلة ، إلا في سبيل الدفاع عن عرضها . فجان دارك لا تصلح في نظري قدوة للنساء بل هي عندي مثال خزي للرجال . على أن قلبي لا يخلو من الإعجاب بمن تأتي بضرب من ضروب الشجاعة لا يصطدم بما كونته نفس لها من رسالة في الوجود ، فإني أعتقد أنها وجدت لتكون رسول سلام ووئام [...]
من غير سيف ، بجرات قلم أحدثت « هاريت بيتشي ستو » دوياً هائلاً في بلادها وكان كتابها المشهور : Uncle Tom's Cabin من الضربات القاضية على الرق قضاء مبرماً .
ومن غير سيف قامت امرأة في انكلترا بحملة قضت على الفظائع التي كان يقضي بها القانون الانكليزي حتى أوائل القرن التاسع عشر ، فقد كانت قسوة القوانين في ذلك العهد مما يصعب أن يسيغه العقل الآن . أيرضى أحد في زماننا هذا بشنق امرأة من أجل سرقة قطعة قماش بخمسة وعشرين قرشاً ؟ كلا . ولكن هذا كان يحدث في انكلترا حتى عام ١٨١٥ . تلك المرأة التي حاربت ظلم القانون هي إليزابت فراي . وقد امتد صدى عملها الإنساني إلى أقطار أخرى ، فحذت فرنسا والدانمرك وألمانيا وروسيا وسويسرا حذو انكلترا .
ومن غير سيف استطاعت سيدة انكليزية أخرى أن تحارب ظلم رجال الحرب لرجال الحرب ، تلك هي فلورنس نيتنجيل . تحكي لنا هذه السيدة النبيلة أنها حين بلغت الخامسة والعشرين أرادت أن تستأذن والديها في السماح لها بالالتحاق بمستشفى سالزبري لتمريض المرضى فكانت دهشتهما شديدة . ولا غرابة في ذلك فإن أهل ذلك الزمان (١٨٤٥) كانوا يعتقدون أن الفتاة التي تفكر في غير الزواج ،
خارجة على جنسها متمردة على الأنوثة . ولما بلغت الثالثة والثلاثين سمح لها والداها بالاشتغال بالتمريض بعد أن يئسا من انتزاع ميلها إلى مواساة المرضى ولكنها لم تلبث في المستشفى الخيري الذي عينت فيه أكثر من عام ، إذ جاء نبأ بأن الجيش البريطاني في حرب القرم سائر برمته إلى حتفه إذ كانت حالة الجرحى مهملة وكانت المسافة بين ميدان القتال والمستشفى تستغرق ثمانية أيام ، فكان ربعهم يموت في الطريق ومن يصل حياً لا يجد بالمستشفى لا الأربطة ولا اللوازم الضرورية . وقد عرضت فلورنس خدمتها على الحكومة وأخذت معها ٣٨ من زميلاتها وعكفت على تنظيف المستشفى وتدبير وسائل الجراحة للجرحى حتى كانت تطعمهم وتكسوهم من مالها وما زالت تعمل في اليوم عشرين ساعة حتى هبطت نسبة الوفيات من ٤٢٪ إلى ٢٪ . ولما عادت إلى وطنها بعد نهاية حرب القرم صممت على مواصلة عملها حتى لا تعود مآسي اسكدار ، فإنها قد رأت أنه لا بد من إصلاح نظام أطباء الجيش وإنها إذا توانت ضاعت جهودها سدى ، فهمت تستنهض وزارة الحربية وأجبرت السلطات على تعيين لجنة لكتابة تقرير عن حالة الجيش من الوجهة الصحية وبني التقرير على ما أدلت إليهم به وأصبح الإصلاح ضرباً لازماً لا مفر منه .
الإصلاح الإصلاح دون سلاح . تلك [...]

