
ليس من السهل تحليل عناصر الفن . لكن الذين حاولوا ذلك يردّونه إلى مصادر مختلفة منها الإحساس الدقيق الذي يجعل من نفس الفنان شبه مرآة مصقولة تنعكس فيها أدق الحركات والأشكال وتستجيب بسهولة لكل حافز . لكن حدة العاطفة - رغم أهميتها - ليست إلا شرطاً ثانوياً في الطبيعة الفنية فقد ذهب بعضهم إلى إنكارها وهم المتطرفون ، حتى زعموا أن الفن أكثر ائتلافاً مع الطبائع الباردة ، ومن هنا كانت النساء في زعم روسو « جنساً غير فني لا تصافهن بسرعة التأثر وحدة المزاج » .
لكن هناك فرقاً بين الطبيعة الهائجة العصبية الصاخبة ، وسرعة الاستيجاب التي تجعل صاحبها رغم هدوئه مرهف الحس ثاقب النظر يشعر بما لا يشعر به غيره ويرى ما لا يُرى . فيشير فيه هذا الشعور انطباعات وأحلاماً وخيالات طريفة وتكون الخيلة القوية المبدعة عاملاً أساسياً في نشأة الفن . وهذا ما لم يتصد أحد لإنكاره .
ولعلماء النفس آراء تلفت النظر في تحليل عوامل الفن . فهم يردّونه إلى اضطرابات نفسية أجبر الشخص على كبتها أو قهرها لأن الظروف منعته من التعبير عنها بصورة طبيعية فغاصت في أعماق لا وعيه وبقيت هناك في حالة إنطواء واختبار حتى حدث ما أيقظها فعادت إلى الظهور بصورة المادة الفنية . وبكلمة أخرى يكون الفن في رأيهم تحويلًا للغرائز في مجرى جديد ، وانصرافاً عن الواقع إلى الخيال ، فقد تكون الميول المكبوتة حباً أو ألماً أو حسداً أو بغضاً أو حرماناً أو تعلقاً عنيفاً أو عداءً كامناً لصديق أو قريب . ميول يضطر صاحبها إلى قهرها أو كبتها لمخالفتها العرف أو لأسباب أخرى فتبقى في لا وعيه بصورة عقد كامنة فإذا صادفت عنده الطبيعة الفنية وجدت لذاتها
مصرفاً في الفن أي في حلة جديدة وصورة مبرقعة .
وعلى ذلك يحللون رواية روسو « هلويزة الجديدة » بأنها مصرف في ميول كامنة في نفسه ، هي الثورة على الحواجز القائمة بين الطبقات والرغبة في مصاهرة الأرستوقراطيين ولهذا جعل الفتاة جوليا ذات الأصل النبيل تشغف بأستاذها الوضيع الأصل الذي كان رمزاً للكاتب نفسه وبذلك استعاض روسو عن الحقيقة بالخيال واجتاز في قصته حدود العرف والتقليد حين لم يستطع ذلك في الواقع الملموس .
ولا يبدو هذا التفسير غريباً حين نراجع حياة بعض الشعراء والفنانين فلاحظ أن الفن كان منفساً لعواطفهم وآلامهم المقهورة . فنقمة المتنبي على الناس في شعره نتيجة الفشل والحرمان اللذين مني بها في كفاحه . وهجاء ابن الرومي المقنع مصرف لثوراته النفسية التي كانت تهدده بالجنون لو لم يجد لها منفساً في الشعر . ومن هنا أيضاً نرى أساطير الأقدمين تحفل بقصص الفقراء الذين أصبحوا فجأة ملوكا أو ذوي ثروات طائلة ، تشير إلى ميول خفية في قرارة نفس القصاص ، عبّر عنها بالخيال الذي استعاض به عن الواقع المحزن ، وبذلك أرضى نفسه وأرضى سامعيه الذين كانوا يكتمون في قلوبهم نفس الميول والأحلام .
وليست عواطف الفنان واختباراته وحدها مصدراً لفنه بل أنه يجد لها غذاء خصباً في الحكايات الشعبية والأساطير الماضية . وكأنما الفنان يعيش في بعض ظروف حياته أدواراً من حياة الشعب الفطرية فيعيد تمثيل الماضي في قصصه
وتشيلاته ويحمي في قومه الذكريات القديمة ويوقظ الميول العرقية ، ويخلع على القديم ثوباً أنيقاً من الروعة والجلال . وفي هذا يكون الفن عاملاً قوياً من عوامل استمرار الماضي وتغذية العواطف القومية ، والهاب النفوس بنار الوفاء للجدود وعبادة التقاليد وتقديس الذكريات . وهذا يذكرنا هوس الشاعر «دائزو» واندفاعه القومي حين راح على رأس كتيبة إيطالية واحتل مدينة الفيوم . كما يعيد إلى أذهاننا صورة الشعراء الجاهليين والقصاصين والرواة الذين كانوا في قومهم حفظة الماضي يبعثونه بألوان زاهية ، أو كانوا على رأس الثورات والحروب القبلية ، يثيرون نيران البطولة والاستبسال في صدور المحاربين .
ويلعب التقليد أيضاً دوره في خلق الفن . فالفنان مهما جنح إلى الشخصية والابتكار في أسلوبه لا يسعه التخلص إلا في القليل النادر من تأثير القدماء وسلطان أساليبهم . ولهذا العامل أثره البعيد في الأدب العربي الذي قام معظمه على تقليد القدماء واقتفاء آثارهم . ولا ينفرد في ذلك أدباء العرب بل يشاركهم فيه الكلاسيكيون ومن جرى مجراهم في بلاد الغرب .
أريد أن أصل من هذه المقدمة في تحليل عناصر الفن إلى القول أنه في أصوله العامة مظهر رجعي يتغذى من القديم ويحيا به . قوامه العاطفة والغريزة التي تعد أقدم خصائص البشرية بل ميزتها في أدوار طفولتها وفي أحوال فطرتها لأن الإنسان يشارك فيها الحيوان الأعجم . ولهذا تكون الغريزة قوام حياة الطفل تتحكم فيه قبل نمو مداركه العقلية . ومن هنا قول العلماء أن الشعر أقدم من النثر لأن الأول عمل العاطفة والخيال واللاوعي في حين أن الثاني عمل العقل والتفكير الواعي . قال الباحث كروتشي : « أن عالم الشعر يخلو من الفكر والنقد اللذين
