يحولان عالم الخيال الى عالم الحقيقة . ان الفلسفة - وليدة العقل - تقضي على الشعر بالموت حالما يقترب منها ، وكثيراً ما يقضي الشاعر على شعره حين يجعله آلة للتفكير والفلسفة - كما فعل المعري في اللزوميات ، او يقضي على نفسه حين يعدل عن الفن الى النقد والتحليل والتفلسف وينقلب من شاعر ذي صور والوان الى فيلسوف متهوس وناثر مضطرب الفكر ، او حين يكتب النثر بلغة الشعر ويحاول التفكير بلغة العاطفة .
الفن والادب - في اكثر حالاتها - عاملان رجعيان لانهما في الغالب يعيدان لنا القديم نفسه في صور جديدة ، كما وصف الشعراء الربيع في الف صورة ، وكما يخلق فنانو الازياء صوراً واشكالاً من الفساتين تظهر جديدة وهي بالحقيقة مستمدة من القديمة بواسطة التأليف بين اجزاء مختلفة .
وبما ان الفنان بطبيعته متعلق بالقديم ، نجد نظرته الى المرأة تتصف غالباً بالرجعية . فهي نظرة الانسان الفطري الذي رأى فيها جسداً جميلاً . او نظرة المصور الذي رأى فيها خطوطاً والواناً . او ابن الرومي الذي رأى فيها بستاناً من الازهار والاثمار . او قيس بن الملوح وديك الجن وغيرهما من المولهين الذين حركتهم الانانية وحب الاستئثار بمن احبوا فغاروا عليها من الماء الذي تشربه ومن الهواء الذي تتنفسه . او ينظر اليها نظرة فرسان القرون الوسطى الذين جعلوها موضوع تأليه وعبادة واتخذوها رمزاً لاحلامهم او ربة يتنافسون في ارضائها والخضوع لها والدفاع عنها . او بعين الافلاطونيين الذي رأوا فيها رمزاً للجمال الاسنى والكمال الالهي واستمدوا منها قوة للرقي في معارج الفلسفة والتأمل ، ومن هذا النوع علاقة دانتي باميرة احلامه بياتريس .
قال لي مرة احد هؤلاء الشعراء :

