إن من ينظر الى المرأة منذ عشرين عاماً ، ثم يقابل بين حالتها في الماضي وحالتها اليوم ، يرى تغيراً محسوساً قد طرأ على احوالها في جميع الادوار .
وهذا التغير السريع كان نتيجة ثورة فكرية فعالة ، تمخضت في شتى الآفاق عن نتائج باهرة في اتجاهات النفوس وتكوين الآراء . ومرد هذا يرجع الى انتشار العلم بين طبقات الأمة ، واقبال الفتاة على التعلم ومشاركة الفتى في شتى مراحل التعليم .
لقد اخطأ من كان يعتقد ان الامة برجالها فقط . ووضح انحراف من كان يقول بوجوب اقتصار العلم على الفتى دون الفتاة . وظهرت نتائج آرائهم الخاطئة في مجموع الأمة التي تدهورت في الماضي الى اوضع الحالات . فأن ما اختصت به المرأة من رقة المزاج ، وما تتصف به من الرأفة والعطف والحنان وطول الاناة ، يجعلها جديرة بأداء رسالة خاصة في الحياة ، لا يستطيع الرجل ان يحتمل دقيق واجباتها التي تتطلب الصبر والجلد ، ولا يقدر ان يقوم بها على الوجه الاكمل .
ولكن كل ما يناله الاهمال يكون معرضاً للخمول وقلة الانتاج . والملكات الانسانية لا يظهر مفعولها الحي إلا بعد احيائها بالعلم وصقلها بالتهذيب .
ان من اولى غايات العلم الصحيح : التهذيب ، تهذيب النفس وما يصدر عنها من ميول وعواطف ورغبات . كما ان من اهم اهداف العلم ، ايقاظ الاذهان لتتفاعل بافكارها وترتقي بآرائها . لتتجه الاعمال الانسانية بأجمعها نحو الاتقان والكمال . هذا الى ما يتطلبه الوجود من
المعرفة ، للنهج في سبيل سوي مستقيم يضمن رغد العيش واطمئنان الضمير .
يقول رابليه Rabelais احد الادباء الفرنسيين في القرن السادس عشر ما معناه : « انما يحيى الوالدون بأولادهم حياة ثانية جسماً ونفساً ، فيجب اذاً الاعتناء بتهذيبهم وتعليمهم » .

وانا اقول : ان بعض الأمهات تضمحل حياتهن ليحيين حياة وحيدة في اطفالهن ، وتتلاشى رغباتهن الخاصة لتتركز رغبات جديدة تتجه نحو ما يطلبه اولادهن . وهذا ما يحدو بنا لأن نشدد في طلب تعليم الفتاة التعليم الصحيح العالي لتتأثر بمؤثراته لان عليها يتوقف نجاح النشء .
وليست الفتاة التي لا تقبل على الزواج ، بأقل احتياجاً للعلم واستناراً لفوائده من المرأة المتزوجة ، اذ انها لا تكون حينئذ كلاً ثقيلاً على أخ او قريب ، بل تتفرغ لتقوم بالعمل المنظم المبني على الاستعداد العلمي ، كفرد نافع حي يتمتع بالصفات الانسانية المهذبة والمزايا التي اتاها العلم ، وسما بها التثقيف الى مرتبة الحياة المفيدة المصلحة ، في عالم الانتاج المرتكز على إلهام الفكر الراقي .
أما أساس التهذيب الذي عرفه هذا الاديب رابليه - الذي قيل عنه : إن دماغه وادي العلوم لما حواه من المعارف - فقد قال : « ان اساس التهذيب ثلاثة : « المساعدة ، والمحبة ، ومخافة الله » .
واني ارى ، ان المحبة هي الينبوع ، الصافي الذي يوجه اعمال الانسان وجهة الخير . ولا شك في ان صفاء هذا الينبوع على أتمه في قلب المرأة ، اذا ناله ما يجب من الحماية والتهذيب .
وكذلك اذا صرفت الجهود لتهذيب الفتاة منذ الصغر تبرز غرائزها في صورها الرائعة وتكون موئل خير وصلاح .
فان من غرائز المرأة الاصلية المبادرة للمساعدة ، والاسراع لتلبية نداء الضعفاء والملهوفين .
ومن خصائص المرأة ايضاً انها تجد لذة في التألم لألم الغير . وتجد راحة في مشاركة المتوجع وفي التخفيف عنه .
وهذا التألم وهذه المشاركة يشيعان في نفسها الرضى ويحلقان بروحها في آفاق نيّرة ، تجعلها تسمو عن سخيف هذه الدنيا وتستهين بمتاعبها وتتعالى عن مساوىء الانسان ، سابحة في اجواء قدسية من الايمان والسماح والعطف والشفقة ومخافة الله .
لقد صدق فكتور هيكو حين قال ما معناه : « ان العيون التي تبكي كثيراً ترى كثيراً » . فان دموع المرأة الصادقة التي تنقطر من معين الرحمة . والتي تتلهف بها على البائسين والمحرومين . كقطرات الندى التي تفتح اكمام الزهر في البكور . فهي تفتح اكمام حس غريب ، وشعور عجيب من الحنو والاخلاص في قلب المرأة ، كما تفتح بصيرتها على نوع من المعرفة والميل الصادق للمساعدة .
وان هذه الصفات لا يمكن ان تقوم برسالتها السامية في الحياة ، ولا يقدر العالم ان يفيد منها اذا لم ينلها ما يجب من الاعتناء والتهذيب بالتعليم والتدريب .


