البيت او العائلة يا سيدتي ، التي توجتك الطبيعة ملكة عليهما ، هما تجمع طبيعي بين اشخاص انتظمتهم روابط الدم ، فألفوا وحدة مادية معنوية ، هي اصغر وحدة حيوية في الهيئة الاجتماعية ، والحلقة الاولى في سلسلة الاجتماع والركن الذي يتألف منه المجتمع الاكبر . ووحدة العائلة هذه - الفرد - ولقد مرّ على العائلة ادوار مختلفة تغيرت فيها اوضاعها ، وفي كل منها كانت المرأة العامل الهام فيها ، وهذه الادوار هي :
١ - عهد الامومة وقد تميز بحصر القرابة والحقوق في الام
٢ - عهد الابوة وهنا اصبح الاب مرجع الحسب المعروف
٣ - العهد المشترك وقد اصبحت القرابة في هذا العهد ذات حدّين نسب الابوة وصلة الامومة . وبديهي الكلام عن وظيفة العائلة الاجتماعية ، فالتنظيم والاجتماع والتعاون وفكرة الخضوع للطرق المؤمنة سعادة المجموع وفكرة الحكومة كلها مستمدة من العائلة ، والهيئة الاجتماعية نواتها الاولى البيت ، ولا تستقيم امة ولا تتكون لها قوة ما لم تصلح فيها العائلة افرادها . واذا امعنا النظر في البيوت التي اهملت تربية اولادها بسبب الجهل او الفقر نرى الفرق العظيم بينها وبين المثقفة
التي دققت في تربية اولادها ووجهتهم التوجيه الصحيح .
ولا موجب لان اذكرك بمصير امة تفشى في عائلاتها داء الجهل والاهمال فتركت ابناءها لا تربية ولا علم ، وكما تكون الام ينشأ الاولاد ، وكما يكبر الاولاد الذين هم افراد الامة ، تكون الامة ، راقية برقيهم ومنحطة بحطهم ، وبمقدار التربية الفردية وطريقتها يثمر العمل على رقي العائلة ورفع منار الوطن وعمرانه . واختلاف رغبات امة وميول رجالاتها يتوقف الى حد بعيد على اختلاف رغبات نساء تلك الامة وميولهن ، فاذا كانت المرأة مثقفة صحيحة الوطنية كان ابناؤها وبناتها كذلك .
اختي المرأة - انت ام لاولاد عديدين او قلائل ، او ام لولد واحد ، او على وشك ان تصبحي اماً ، فتعالي نتحدث عن هذا الحبيب الذي يسمونه الولد ، لا فرق ان كان ابناً او بنتاً ، فكل منها نصف المجتمع ولا يتم الواحد الصحيح الا بكليهما .
اخالك الآن - وانت تستمعين الى حديث ام مثلك - تضمين ولدك - الصبي او البنت - الى صدرك وتطبعين على وجهه الناعم قبلة الحب والحنان ، قبلة الامومة ، التي تحمل اسمى معاني الحب واقدسه ، وتصغين الى ما اذهب اليه من القول .
تذكرين ولاشك قول نابليون المأثور « التي تهز السرير بيمينها تهز العالم بيسارها »
فهل فكرت كيف تستعملين هذه القوة التي منحك اياها الخالق والتي اشاد بها الفلاسفة والحكماء والشعراء ؟ وهل ادركت مايعني ان تقدر يد ضعيفة كيدك ان تهز العالم ؟ اجل - اذا ادركت اين تكمن قوتك ، تحققت قول نابليون والفلاسفة والحكماء فيك ، فما الرجال والنساء العظام الذين اخترعوا واكتشفوا ووضعوا الانظمة وغيروا وجه الانسانية الا ابناء وبنات .
نساء عظيمات بارواحهن ومبادئهن ، فانت مصنع الرجال والنساء . ولا اعني انك سبب وجودهم بل القائمة على تربيتهم تربية صحيحة لا تشوبها الخرافات والخزعبلات والضعف مبنية على اساس علمي رفيع متين .
انت ام الطفل ويجب ان تكوني رفيقة وصديقة ومربية حكيمة لطفلك الى ان يقوى عوده وتصبح اخلاقه متينة ، يقدر ان يواجه مشاكل الحياة ومصاعبها مزوداً بالسلاح القوي الماضي الذي وضعته انت في يده .
قال احد الحكماء العرب : « رب ابنك سبعاً وادبه سبعاً ورافقه سبعاً ثم اتركه يواجه الحياة فقد اتممت واجبك » .
ومتى عرفت منزلتك هذه وقدرت المسؤولية الملقاة على عاتقك ، الا وهي اعداد بناء الغد ، وجب عليك ان تسلكي اقوم الطرق وافضل السبل ، وهذا يقتضيك ثقافة واهتماماً ويقظة .
نبتة طرية لينة بين يديك ، فاذا راقبت نموها وقومت اعوجاجها وابعدت عنها المؤثرات الضارة ، جاءت شجرة باسقة الاغصان تعطي ثمراً طيباً وظلاً وارفاً ، اما اذا اهملتها وتركتها لرحمة


