قال شهريار « مالي يا شهرزاد أرى هذه الديار مهدمة والمدن مهجورة والولايات ينعق فيها اليوم ؟ »
قالت شهرزاد « فأنت لا علم لك ايها الملك السعيد بما جد في العالم من بعد زماننا السعيد ؟ »
فقال شهريار « وهل جد في العالم شيء غير الامسيات الجميلة العاطرة المبطنة بالسحر الخفي والموسيقى الرخية تحملها أجنحة النسيم، والاضاحي العابقة بعطر الاقاحي ؟ »
قالت شهرزاد « ان حديث الحرب يا مولاي السعيد يملأ الافواه والصدور اليوم كما ملأها في كل زمان وكل مكان. وانت به عليم لأنك أنت الفارس المغوار والبطل المقدام ولدتك الحرب فأنت ابنها البكر . ولكنني سأحدثك الليلة حديثاً عجباً كان فيه لوالتفتت الناس اليه، خلاص للبشر من وبلائها الكثيرة المتلاحقة في طريقها الوعر الصاعد الى العلا .
فلما اقبل المساء جلس الملك السعيد في المجلس الذي اعتادت شهرزاد ان تجلس فيه اليه، وقالت « بلغني ايها الملك السعيد ان الانسانية لا تزال تحارب بعضها بعضاً وبأكل بعضها بعضاً ويحتقر بعضها بعضاً كما كانت تفعل في ايامنا ومن قبل ايامنا بزمن طويل، فكأنما هي نفس، اخذها الغضب واستبد بها، فعواطفها متضاربة، وافكارها متناقضة، وعزمها متداع، ولبها مشترك، فهي لا تكاد تجمع على رأي إلا تخلت عنه . وبلغني ان الناس كانوا يجتمعون
بعد كل حرب في جماعات كبيرة سموها « المؤتمرات » يتآمر فيها الظافرون بالمغلوبين، ويتحكم فيها الظالمون في المظلومين ويقتسم المنتصرون الاسلاب . ويفرح كل ظافر بما ظفر به، ويحزن كل مغلوب على ما خسر، وينطوي على جراحه يضدها، وصدره يملؤه الحقد وحب الانتقام . ولو نظرت ايها الملك السعيد الى ما يسمونه بالمؤتمرات والمجالس والمعاهدات وغيرها لحسبت انها سوق قامت وانفضت، ربح فيها من ربح وخسر من خسر . ويمضي الامر على هذا النحو يضم الظافر الاملاك والاموال والاسلاب، ويستبيح لنفسه ما لا يبيحه عرف ولا شرع ويضم المغلوب جناحه ويستعد للقتال والانتقام لشرفه واسترداد املاكه وامواله . ولا يفكر بعد ذلك احد في صلاح العالم . وينسى الناس جميعاً انهم اخوة وانهم لآدم وآدم من تراب . لانهم في دهشة التسليم وغمامة النصر ينتشون بخمر الظفر فلا يبقى في العالم اخوان، بل غالب ومغلوب . وهو فرق لا يسمح لهذه الفكرة النبيلة - فكرة الاخوة - ان تعشش في الصدور او تضرب جذورها في القلوب .
هذا حال الرجال في كل عصر وزمان. لا يفكرون الا في اطماعهم وغنائمهم وما خسروا وما غنموا . ولكنهم لا يفكرون في اهداف العالم والغنائم التي يمكن ان يغنمها البشر جميعاً والغاية التي يهدف اليها البشر جميعاً .
وبلغني يا مولاي ان الحروب اصبحت حروباً عالمية فهي لا تخص دولتين ولا قبيلتين بل اصبحت تعم العالم ونتائجها تهم العالم جميعاً،
ولكن احداً لم يفطن إلى تلك الحقيقة على ما يبدو.
لا اريد ايها الملك ان انظر الى الدول العظيمة ولا الصغيرة، ولا اريد ان انظر الى الغالب والمغلوب فأوفق بينهما فذلك امر يتكفل به الانبياء والمرسلون وكل من

وضع الله في قلبه نور الايمان والهدى. وانما انا اريد ان انظر الى غلطة كبيرة تتكرر وتتلاحق فلا يلتفت اليها احد.
وكيف تريد يامولاي ان يلتفت احد في هذا الفرج والمرج والهيجان والطوفان الى الاطفال الصغار.
قال شهريار : « أتقولين الاطفال يا شهرزاد ؟ »
قالت شهرزاد : « نعم ايها الملك السعيد ! بعد كل حرب يجد البشر مشكلة عظيمة وما اكثر ما تخلف الحروب وراءها من مشاكل تزيد على تلك التي قامت من اجلها ! هذه المشكلة هي مشكلة من ناحية التدبير، وهي امل الانسانية كلها من ناحية التقدير . »
قال شهريار : « افصحي يا شهرزاد فانت والله تتكلمين رمزاً ».
قالت الملكة « ان الناس يلتهون عن الاطفال وهم وديعة الرحمن في الارض،

