هم بذور السلام في الملكوت . هم النفوس الذين بامكانهم هم - لا بامكان آبائهم الظالمين ولا امهاتهم المسكينات ان يطبعوا السيوف سككاً ، وان يجعلوا طرق الله مستقيمة ، ويقروا السلام والامان في الارض . »
قال شهريار : « زيديني يا شهرزاد ! »
قالت « اعلم يا مولاي ان الناس لا يلتفتون الى تلك البذور الصغيرة التي تحمل في جنباتها رجال المستقبل . ومن يصنع الحرب غير رجال المستقبل ؟ لو اننا في كل مرة احسنا تربية هؤلاء الاطفال ، وقلعنا من اذهانهم ان الحرب هي وسيلة التفاهم ، واقنعناهم بأن الحرب هي اسوأ طريقة لحل المشكلات التي تعترض الانسانية ولو لقناهم ان للانسانية مستقبلاً عظيماً أعظم مما يتخيله أي المفكرين ، إذاً لكان في الامكان ان نجنب العالم ويلات وويلات . انظر يا مولاي ، تر العالم اليوم في اعقاب حرب يعاني آثارها المؤلمة ، وتر مؤتمرات ولجاناً وفروعاً للجان وهيئات للفروع كلها تحركها المخاوف والاطماع والاحقاد . وانظر هل ترى الطائفة من اهل البر والاحسان تحركت قلوبهم شفقة ورحمة فمدت يدها لهذه الملايين من الاطفال الحفاة بلا ذنب ، العراة بلا جريرة ، الجائعين ، يدفعون من دمهم ولحمهم وعظمهم وذكائهم ، ضريبة فادحة كان يجب على الذين اضرموا نيران الحرب ان يتحملوها - مدت يدها المشفقة القليلة الحول الواهية الطول الهزيلة الموارد والدخل ، تعتمد على حسنات المحسنين وتبرعات اهل البر والخير ليسدوا رمق الاطفال ويستروا عوراتهم ؟
قال شهريار « بارك الله فيهم »
قالت شهرزاد « نعم بارك الله فيهم ولا بارك الله في غيرهم من اهل الاطماع الذين حسبوا ان مشكلة الاطفال تنتهي عند المأكل والملبس . انظر يا مولاي ترهم يهيبون بالناس ان تبرعوا الى الايتام المشردين في اقطار الارض بما فاض عن
مأكلكم وملبسكم . فهل سمعت يا مولاي احداً يهيب بالناس ، انا نريد مدرساً يعلمهم ، نريد كتباً لهم ، نريد ان ننشئ لهم المدارس ، نريد ان نثقف عقولهم من الجهل المخيم ، نريد ان نطهر قلوبهم من البغضاء والشحناء والضغينة ، نريد ان نعدهم ليكونوا بناة السلام » .
« هؤلاء هم بناة السلام لا يتلقون درساً واحداً في بناء السلام او في غيره . هؤلاء هم مقصد الامل ، يعيشون بالآلاف في حظائر او في محاضن او في ملاجئ ، - سمها ما شئت يا مولاي - فهي حظائر لا يعنى بهم معتن ، ولا يلقى اليهم رئيس من الرؤساء بالا . الرجال في طلب المال والنساء في طلب الرحمة والمأوى والاطفال اضيع من الايتام في مأدبة اللئام » .
قال شهريار وقد تأثر لثورة شهرزاد : « وماذا تريدين من الناس ان يفعلوا يا شهرزاد ؟ » .
قالت « يا مولاي سلمت ! ان الجمعيات الخيرية في اول طريقها الى الصلاح والعمل ، تعتقد انها انتهت من مهمتها وادت واجبها تلتفت يمنة ويسرة الى الناس تلتمس الثناء . ان اهم من المأكل والملبس للثقافة والتعليم . ألم تفكر هذه الجمعيات الخيرية في سبب هذه الحروب ، واحتملت ان يكون
سبب هذه الحروب هذه الثقافة التقليدية والتعليم الاعمى الذي يتلقنه الطفل عن ابيه وعن جده بدعوى المحافظة على الحضارة الانسانية ؟ انظر يا مولاي في عصرنا هذا تر ان الابن شهر حرباً ، والاب حرباً ، والجد حرباً ، ولو استمر الحال على هذا المنوال لشهر كل جيل من الاجيال حرباً شعواء تشيب لهولها الولدان . الا يفكر هؤلاء المخمورون بخمر الظفر والنصر او الذين تجرعوا كأس الهزيمة والخيبة ان يختاروا لاطفالهم طريقاً اخرى في الثقافة والتعليم غير تلك التي تعلموا بها وتثقفوا ، لعل الانسانية تنجو من الحروب والمنازعات ؟! . « اصبح ذلك يا مولاي ضرورة ملحة فحاجة الناس اليوم الى الامن والسلام اشد من حاجتهم الى الخبز والكساء ، ألم تسمع الناس يأكلون فلا يهنأون وينامون فلا يسعدون ، ويسعون الى رزقهم فلا يطمئنون ، لان العالم بات ينظر في غير لهفة ولا شوق ، حرباً ثالثة ان هي حدثت اهلكت الحرث والنسل . »
قال شهريار « وما السبيل الى الخلاص يا شهرزاد ؟ » .
قالت شهرزاد « فهذا حديث الليلة القادمة يا مولاي » . وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .
« العراق »

